إيران في انتظار القادم الجميل

سمكو عمر لعلي

بعد انتهاء النظام الإيراني الذي أثقل كاهل شعبه طويلاً، وأرهق حاضره ومستقبله باسم الدين، نترقب ان تبرز مرحلة جديدة مفصلية في تاريخ البلاد، مرحلة تتطلب وعياً عميقاً ومسؤولية وطنية شاملة. فالشعوب التي تمرّ بتجارب مريرة، إن أحسنت قراءة آلامها، تستطيع أن تحوّل الجراح إلى دروس، والانكسارات إلى بدايات أكثر نضجاً وصلابة.
إنّ ما عاناه الشعب الإيراني عبر سنوات من التضييق السياسي، والتوترات الداخلية، والعزلة الخارجية، لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه نهاية المطاف، بل باعتباره محطة تاريخية تفرض مراجعة شاملة للمسار، وتصحيحاً للأخطاء، وإعادة بناءٍ على أسسٍ عادلة ومتوازنة. فالدولة التي تُدار باسم الدين ينبغي أن تحمي كرامة الإنسان قبل كل شيء، وأن تجعل من العدالة والحرية والمساواة مبادئ حقيقية لا شعاراتٍ تُرفع عند الحاجة.
إنّ المرحلة القادمة ـ إن كُتب لها أن تبدأ بروح جديدة ـ تستدعي توجيه البلاد نحو الاستقرار السياسي، والازدهار الاقتصادي، والانفتاح المتزن على محيطها الإقليمي والدولي. كما تقتضي ترسيخ مفهوم المواطنة الجامعة التي لا تُقصي أحداً، ولا تميّز بين أبنائها على أساس القومية أو المذهب أو الانتماء الثقافي. فإيران، بتاريخها العريق وتنوّعها القومي والثقافي، لا يمكن أن تنهض إلا باحترام هذا التنوّع، وضمان حقوق جميع مكوّناتها في الوجود الكريم، والأمن، والمشاركة العادلة في صنع القرار.
كما أنّ التجربة الماضية ينبغي أن تكون درساً ليس للإيرانيين وحدهم، بل لشعوب المنطقة كافة، بأنّ الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالقوة ولا بالشعارات الأيديولوجية، بل بالحكم الرشيد، والشفافية، واحترام إرادة الشعوب كما تتمنى. فالمجتمعات التي تُحترم فيها الحريات، وتُصان فيها الكرامات، هي الأقدر على حماية نفسها، والأكثر قدرة على التعايش مع جيرانها بسلام وتكامل.
إنّ الأمل معقود على أن تكون المرحلة القادمة مرحلة مصالحة وطنية شاملة، تُداوي جراح الماضي دون انتقام، وتؤسس لمستقبل تُدار فيه الدولة بعقل الدولة، لا بعقل الصراع. مستقبلٌ تُصان فيه الحقوق، وتُحمى فيه الأقليات، وتُحترم فيه كل قومية بوصفها جزءاً أصيلاً من نسيج الوطن، لها ما لغيرها من حق في الأمن والأمان والكرامة ضمن دولة كونفدرالية
فما بعد الشدّة، إن صَدقت النيّات وتكاتفت الجهود، قد يكون بداية عهدٍ أكثر عدلاً وإنسانية، يُعيد للإنسان قيمته، وللوطن توازنه، وللمنطقة بعضاً من استقرارٍ طال انتظاره. مع تمنياتنا للشعوب الإيرانية الاستقراء ولشعبنا الكوردي في الوصول إلى ما يتمنون ويقررون …

هولير 1/3/2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

م. أحمد زيبار ما يجري اليوم في إيران لا يمكن قراءته بوصفه حدثاً داخلياً معزولاً، بل يبدو حلقة في سلسلة تحولات متراكمة، وبدايةً لمرحلة قد تمتد ارتداداتها إلى جغرافيات أخرى في المنطقة. يتعزز الانطباع بأن الخرائط التي رُسمت قبل أكثر من قرن، وفي مقدمتها اتفاقية سايكس بيكو، لم تعد تعكس توازنات القوى الفعلية، وأن المنطقة تقف على أعتاب إعادة تشكيل…

شادي حاجي يمرّ الشعب الكردي في سوريا بمرحلة مصيرية غير مسبوقة. التحديات تتعاظم، التحالفات تتبدّل، الخرائط السياسية يُعاد رسمها، والحقوق لا تُمنح مجاناً بل تُنتزع انتزاعاً. وفي خضمّ هذه التحولات الخطيرة، لم يعد ممكناً الاستمرار بعقلية الإدارة التقليدية أو الاكتفاء بخطاب عاطفي لا يسنده فعل سياسي حقيقي ورؤية استراتيجية واضحة. العالم من حولنا يتغيّر بسرعة غير مسبوقة. موازين القوى تُعاد…

شكري بكر لاحظنا طيلة إندلاع الأزمة السورية عام2011 حتى وبعد سقوط الدكتاتور بشار الأسد يتم الحديث كثيراً عن الأزمة السياسية التي عصفت بالحركة الكوردية أثناء الأزمة السورية وإستمرارية تلك الأزمة حتى الآن يتناسون أن هم أنفسهم جزء من الأزمة السياسية في الحركة الكوردية في سوريا . لو أردنا أن نعود إلى الوراء قليلا أي إلى عام 2011 رأينا أن…

عبدالجابر حبيب   تماسكٌ معلَن وقلقٌ كامِن تقف إيران اليوم أمام لحظةٍ مفصليةٍ لا تُقاسُ بحجمِ الضربةِ بقدرِ ما تُقاسُ بما ستُنتجُهُ سياسيّاً واستراتيجيّاً. فالمشهدُ ليس عسكريّاً صرفاً، بل اختباراً مركّباً لبنيةِ نظامٍ تأسّسَ عقائديّاً، وتشكّلَ أمنيّاً، وتمددَ إقليميّاً منذ عام 1979.   في المقابل، ترى إسرائيل أن المواجهةَ مع طهران وجوديّةٌ، وقد كرّر رئيسُ وزرائها بنيامين نتنياهو توصيفَ إيران…