عبدالجابر حبيب
تماسكٌ معلَن وقلقٌ كامِن
تقف إيران اليوم أمام لحظةٍ مفصليةٍ لا تُقاسُ بحجمِ الضربةِ بقدرِ ما تُقاسُ بما ستُنتجُهُ سياسيّاً واستراتيجيّاً. فالمشهدُ ليس عسكريّاً صرفاً، بل اختباراً مركّباً لبنيةِ نظامٍ تأسّسَ عقائديّاً، وتشكّلَ أمنيّاً، وتمددَ إقليميّاً منذ عام 1979.
في المقابل، ترى إسرائيل أن المواجهةَ مع طهران وجوديّةٌ، وقد كرّر رئيسُ وزرائها بنيامين نتنياهو توصيفَ إيران بـ«رأسِ الأفعى»، في إشارةٍ إلى أن ضربَ المركزِ أَولى من استنزافِ الأطراف. أما الولايات المتحدة، فتتأرجحُ بين الردعِ والاحتواءِ، وبين حساباتِ الكلفةِ والنتيجة.
لكن السؤالَ الجوهريَّ ليس: من أصابَ مَن؟
بل: ماذا سيحدثُ بعد ذلك؟
البيتُ الإيراني:
دولةٌ متشابكةٌ لا تختزلُ في رأس الهرم فقط،
ومن الخطأِ قراءةُ النظامِ الإيراني بوصفه شخصاً واحداً، حتى وإن كان المرشدُ الأعلى علي خامنئي يمثّلُ قمّةَ الهرم. فالبنيةُ تقومُ على توازناتٍ دقيقةٍ بين:
الحرسِ الثوري
المؤسّساتِ الدستوريّة
الشبكاتِ الاقتصاديّةِ شبهِ الرسميّة
المرجعيّاتِ الدينيّة
هذه التركيبةُ تمنحُ النظامَ قدرةً على إعادةِ إنتاجِ نفسهِ تلقائيّاً في حالِ غيابِ رأسٍ أو اهتزازهِ. وقد ظهرَ ذلكَ جليّاً عقبَ اغتيالِ القائدِ العسكريّ قاسم سليماني عام 2020، حين توقّعَ بعضُ المراقبينَ تصدّعاً داخليّاً، لكنّ النظامَ خرجَ أكثرَ تماسُكاً رمزيّاً وأمنيّاً.
الاقتصاد: الخاصرةُ الرخوة
لا يمكنُ إنكارُ حجمِ الضغطِ الاقتصاديّ: تضخّمٌ مرتفعٌ، عملةٌ متآكلةٌ، بطالةٌ شبابيّةٌ واسعة. غيرَ أنَّ الاحتجاجاتِ السابقةَ لم تتحوّلْ إلى ثورةٍ شاملة. ففي لحظاتِ التهديدِ الخارجيّ، يتقدّمُ الحسُّ الوطنيُّ على السخطِ المعيشيّ، ويتحوّلُ الخلافُ الداخليُّ إلى اصطفافٍ دفاعيٍّ مؤقّت.
السيناريوهاتُ المحتملةُ في المدى القريب
أولاً: تصعيدٌ مضبوطٌ وإعادةُ تثبيتِ الردع
هذا هو السيناريو الأرجحُ واقعياً. تقومُ فكرتهُ على:
ـ ردودٍ متبادلةٍ محسوبة.
ـ استهدافاتٍ دقيقةٍ دون توسيعِ رقعةِ الحرب
ـ رسائلَ ردعٍ متبادلةٍ لإعادةِ رسمِ الخطوطِ الحمراء
المحلّلُ الأميركيُّ المعروف توماس فريدمان أشارَ في أكثرَ من مقالٍ إلى أن واشنطنَ تميلُ إلى «إدارةِ الأزماتِ لا تفجيرِها»، لأن الانزلاقَ إلى مواجهةٍ شاملةٍ سيُربكُ المنطقةَ والعالمَ اقتصادياً وأمنيّاً.
كما يرى الباحثُ في شؤونِ الأمنِ القوميّ كينيث بولاك أن إيرانَ تتقنُ «اللعبَ تحت سقفِ الحرب»، أي الردَّ دون الوصولِ إلى نقطةِ اللاعودة.
نتيجةُ هذا السيناريو:
توازنُ رعبٍ جديدٌ، واستمرارُ الاستنزافِ الهادئِ طويلِ الأمد.
ثانياً: توسّعٌ إقليميٌّ غيرُ مباشر
قد تنتقلُ المواجهةُ إلى ساحاتٍ أخرى، مثل:
العراق
سوريا
لبنان
بحيثُ تبقى إيرانُ في موقعِ الإنكارِ المباشر، وتُدارُ المواجهةُ عبر أذرعٍ محليّة.
المحلّلُ الإسرائيليُّ البارز عاموس هارئيل حذّرَ في تحليلاتٍ سابقةٍ من أن «أيَّ ضربةٍ عميقةٍ داخل إيران قد تُفتحُ أبوابَ ردودٍ متعددةِ الساحات»، ما يجعلُ احتواءَ التصعيدِ أكثرَ صعوبة.
نتيجةُ هذا السيناريو:
اتساعُ نطاقِ الاشتباكِ جغرافياً، دون إعلانِ حربٍ شاملةٍ رسميّاً.
ثالثاً: ضغطٌ داخليٌّ متصاعدٌ دون انهيار
يُراهنُ بعضُ دوائرِ القرارِ في واشنطنَ على أن الضرباتِ الخارجيّةَ قد تُحدثُ خلخلةً في الداخل. غيرَ أنَّ التجاربَ السابقةَ تُظهرُ أن الأنظمةَ العقائديّةَ تتشدّدُ عند التهديد.
المحلّلُ السياسيُّ الإيرانيُّ المقيمُ في الخارج كريم سجادبور يرى أن «النظامَ الإيرانيَّ قد يضعفُ تدريجيّاً تحت وطأةِ الاقتصاد، لكنه لا يسقطُ بضربةٍ واحدة».
نتيجةُ هذا السيناريو:
إعادةُ ترتيبٍ داخليةٌ، وربما تغييراتٌ في الوجوهِ لا في البنية.
رابعاً: انزلاقٌ واسعٌ غيرُ محسوب
وهو أخطرُ السيناريوهات، ويقومُ على:
ـ استهدافِ قواعدَ أميركيةٍ مباشرة
ـ تعطيلِ الملاحةِ في الخليج
ـ توسّعِ الضرباتِ المتبادلةِ بوتيرةٍ متسارعة
الخبيرُ الاستراتيجيُّ ريتشارد هاس حذّرَ من أن «الحروبَ الكبرى لا تبدأُ بقرارٍ معلَن، بل بسوءِ تقديرٍ متراكم».
نتيجةُ هذا السيناريو:
حربٌ إقليميةٌ واسعةٌ ذاتُ كلفةٍ غيرِ محسوبةٍ على الجميع.
هل يخرجُ النظامُ أقوى؟
التاريخُ الإيرانيُّ الحديثُ يكشفُ مفارقةً واضحةً:
كلُّ ضربةٍ خارجيةٍ تُنتجُ تماسكاً داخليّاً سريعاً، لكنها تُراكمُ أزماتٍ كامنةً ببطء.
فإذا خرجَ النظامُ سالماً، قد يعزّزُ قبضتَهُ الأمنيّةَ، ويُضيّقُ المجالَ الإصلاحيَّ أكثرَ، ويستثمرُ اللحظةَ تعبويّاً. لكن استمرارَ الضغطِ الاقتصاديِّ قد يُحوّلُ الصلابةَ الظاهرةَ إلى هشاشةٍ مؤجّلةٍ.
في النهاية :
المشهدُ الإيرانيُّ ليس انهياراً وشيكاً، ولا استقراراً مطلقاً. إنه اختبارُ توازنٍ بين:
قدرةِ النظامِ على الامتصاص
رغبةِ خصومِه في إعادةِ تشكيلِ المعادلة
وحساباتِ اليومِ التالي
التغييرُ بالقوةِ ممكنٌ نظريّاً، لكن بناءَ البديلِ أصعبُ كثيراً. وفي إيران لا يمكن للسلطة أن تترك فراغاً سياسياً، فبنيتها متجذّرةٌ أيديولوجيّاً وأمنيّاً واجتماعيّاً.
ويبقى السؤالُ مفتوحاً:
هل نحن أمامَ إعادةِ رسمٍ هادئةٍ للردع؟
أم أمامَ استنزافٍ طويلٍ سيُعيدُ تشكيلَ المنطقةِ تدريجيّاً… بثمنٍ باهظٍ للجميع؟