الكورد بين فكي أنقرة وطهران: هل آن أوان كسر المحرّم وبناء تحالف صادم؟ في هذا الشرق المتوحش 

أزاد خليل *

المنطقة تتغير بسرعة، والوقائع على الأرض تفرض رسم سياسات وعقد تحالفات قاسية في جغرافيا سياسية معقدة، حيث البقاء ليس للأقوى فقط، بل لمن يتقن المراوغة ويجيد الحنكة السياسية.

يبدو أن العقل التركي يقرأ ما يحدث في المنطقة؛ لذلك تدخلت أنقرة في الحرب السورية بشكل مباشر لتحمي مصالحها، وتبقى مسيطرة على الأرض، وتتحكم بالسياسة من خلال أدوات يسهل استخدامها في خدمة مشروعها.

رأيتم كيف سلّحت ومولت وأطعمت الميليشيات الجائعة في سوريا تحت حجة دعم “الثورة السورية”. وإذا قرأنا المشهد السياسي منذ 2011 حتى اليوم، نرى أن تركيا استفادت من تناقضات السياسة الدولية، ولعبت عليها، واستثمرت الحرب السورية لخدمة مشروعها الطوراني العثماني القديم ـ الجديد.

تاجرت بملف النازحين السوريين، وقامت المافيا التركية، أو ما يسمى بالدولة العميقة، بإرسال الملايين إلى أوروبا عبر أكبر شبكة لتجارة البشر، واستفادت بمليارات الدولارات من تهريب السوريين عبر مراكب الموت.

ثم تمددت داخل الأراضي السورية عبر حروب مباشرة، واحتلت أكثر من ألف قرية وبلدة ومدينة ضمن حربها على “الإرهاب” كما تحب أن تسميها. سيطرت على نحو 15 في المئة من مساحة سوريا، وأسست جيشاً سلّحته ومولته عسكرياً ومالياً عبر المال القطري.

استثمرت في المعارضة السورية، وتحكمت بكل شاردة وواردة، وأصبح كل من يترأسها شخصية موالية لتركيا. شقّت الرأي العام الكوردي، ودعمت المجلس الوطني الكوردي لتظهر للعالم أن هذه المعارضة تمثل إرادة السوريين. تدخلت في مؤتمر سوتشي ومحادثات أستانا، وكانت تضع “فيتو” عثمانياً على الأسماء المشاركة عبر مسارات خفض التصعيد.

تحول الشمال السوري إلى سوق لبضائعها، وأغرقت المخيمات والمدن بمنتجاتها، بل فرضت العملة التركية في أغلب مناطق الشمال، وربطت اقتصاد ما كان يسمى بـ”المحرر” بالليرة التركية.

لم تكتفِ بذلك، بل وجهت بندقية المعارضة إلى قلوب ومدن وأكباد الكورد، وأظهرتهم كأنهم ضد الثورة السورية، وأنهم جزء من منظومة حزب العمال الكوردستاني. وكان أوج هذه الحرب في عفرين، الجرح الذي ما زال ينزف في ضمير الكورد في روج آفا، الاسم الذي لا ترغب تركيا بسماعه.

هنا بدأت حرب الكراهية والخطاب التحريضي، حتى أصبح اسم الكوردي بالنسبة لكثيرين مرادفاً لـ”قنديل”، وبالتالي هدفاً مشروعاً للقتل والتنكيل والاغتصاب. توالت سنون الحرب، وتركيا تغرق السوريين في أتونها، وتتلاعب بالدم السوري خدمة لمصالحها.

وكان يُوصف الكورد بأنهم طارئون ولاجئون وخنجر في جسد ما يسمى بالثورة السورية، التي غاب عن تمثيلها السوريون الأحرار، ليصبح معظم قادتها يدورون في الفلك التركي.

إلى عام 2024، وبدء عملية ما سمي بـ”ردع العدوان”، حيث انهار النظام السوري خلال أحد عشر يوماً ضمن صفقة دولية ـ إقليمية عنوانها: لا مزيد من الوقت للنظام. بعد هجوم “حماس” في 7 أكتوبر، وما تبعه من حرب إسرائيلية مدمرة، ثم ضرب حزب الله وتصفية أمينه العام حسن نصرالله، انهارت التوازنات التي كانت تحمي دمشق.

تقدمت قوات أحمد الشرع، المعروف بالجولاني، بسرعة إلى حلب وحماة وحمص من دون قتال يُذكر، وانسحب بشار الأسد ضمن ترتيب كامل لإعادة رسم الشرق الأوسط، حيث انهارت قوى وحلت محلها قوى أخرى بدعم تركي ـ قطري ـ سعودي وبرضى أمريكي.

خلال أشهر، وطّد الجولاني أركان حكمه، ونصّب نفسه رئيساً على كامل سوريا من دون تفويض شعبي أو انتخابات، عبر مؤتمر عسكري مغلق بايعته فيه الفصائل. مرحلة انتقالية مؤرخة بخمس سنوات، ذهب عامها الأول في القتل والمجازر في الساحل والسويداء، وانتهت بمحاولة تدمير قسد ضمن صفقة تركية ـ أمريكية ـ سعودية ممولة قطرياً.

اندلعت حرب مفاجئة بدأت في شيخ مقصود والأشرفية، وانتهت بالسيطرة على حقول النفط والغاز في دير الزور، ثم الرقة، ومحاصرة الكورد في الحسكة وكوباني ضمن ما سمي “تحرير الشمال السوري” وبرضى أمريكي.

تدخل إقليم كوردستان، وخرج الكورد في كل بقاع العالم رفضاً لحرب الإبادة وكسر الشوكة. أوقِفت الحرب باتفاق 29 يناير، الذي منح إدارة كوردية خجولة وبعض الحقوق الثقافية، وتعيين محافظ كوردي في الحسكة وعدد محدود من الشخصيات في وزارة الدفاع ضمن ما عرف بعملية “الدمج”.

دمجٌ حصل بقوة النار والحديد وبتآمر دولي على قسد، التي حاربت داعش وقدمت أكثر من 11 ألف شهيد، ليصبحوا مجرد أرقام في بازار السياسة التي لا أخلاق لها ولا قيم.

هل انتهى الأمر هنا؟ بالتأكيد لا.

التصعيد بين إسرائيل وإيران، واحتمال الضربة الأمريكية، يعيدان خلط الأوراق. حرب الأيام الاثني عشر لم تحسم النصر النهائي، والبارجات الأمريكية تتقدم، والحضور العسكري يتكثف كما لم يحدث منذ سقوط النظام العراقي.

تركيا تريد منع الضربة، وتسابق الزمن لإبادة أي قوة كوردية. تصريحات وزير خارجيتها عن “استنساخ التجربة السورية في العراق” رسالة واضحة لإقليم كوردستان. الهدف تدمير المحور الشيعي ليحل محله محور سني قيد التشكل: قطر، تركيا، سوريا الجولانية.

وسط هذه التناقضات، يغيب العقل الكوردي، المثقل بجراح شيخ مقصود والأشرفية.

السؤال الآن: ماذا بعد الضربة الأمريكية على إيران؟ وماذا سيحدث في العراق الذي يمر بأزمة تشكيل حكومة؟ وماذا عن سوريا الجولانية، واتفاق السلام بين تركيا وأوجلان الذي تحول وبالاً على كورد روج آفا؟

ماذا يجب أن يفعل الكورد؟

هل يبقون وقود قتال بيد المشروع التركي ـ الجولاني؟ أم يفلتون من هذا المحور ويختارون القوة التي تغيّر المعادلة، ويخرجون من حالة التبعية العروبية والتركية والفارسية ليكونوا أسياداً أحراراً على أرضهم؟

أعلم أن هذا الكلام لن ينال إعجاب القومجيين والأتراك والمؤيدين للفكر الشيعي، لكن السياسة لا تعرف عداوة دائمة، بل مصالح دائمة.

مصلحة الكورد ليست في أنقرة ولا في دمشق ولا في طهران، بل في لندن وباريس وواشنطن وتل أبيب. هذه هي الحقيقة. وإلا لماذا سقط مشروع قسد؟

لأننا لم نملك حليفاً يحمينا وسط قطيع الذئاب وقطعان الضباع التي لا أمان لها ولا ميثاق.

المنطقة تتغير، ونحن في حالة انعدام جاذبية سياسية. لا نعرف هل نكون بيدقاً في جيش الآخرين، أم لاعباً يصنع قراره.

طالما لا نفكر كالملوك، سنبقى توابع يتلاعب بنا اللاعبون الكبار.

*كاتب وباحث سياسي

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نظام مير محمدي *   تمرّ إيران اليوم بلحظات تاريخية فارقة، حيث تتسارع الأحداث الميدانية والسياسية بشكل غير مسبوق. فبينما تتهاوى مقرات الحرس الثوري ومراكز القوة التابعة لنظام “ولاية الفقيه” تحت وطأة الضربات العسكرية والاضطرابات الأمنية الواسعة، يبرز تساؤل جوهري في المحافل الدولية وصالونات السياسة: ما هو المسار القادم لإيران؟ ومن هي القوة القادرة على قيادة مرحلة الانتقال من الاستبداد…

ماهين شيخاني من شدة ما رأيناه في سوريا، لم نعد نخاف الواقع فقط… بل صرنا نخشى الأحلام أيضاً. لسنوات طويلة، كان شعار “يسقط النظام” يبدو واضحاً وبسيطاً. كنا نظن أن سقوط الاستبداد هو بداية الخلاص. لكن التجربة السورية علّمت المنطقة درساً قاسياً: إسقاط النظام لا يعني بالضرورة ولادة دولة عادلة، وقد يفتح الباب لفوضى أو استبداد جديد بأدوات مختلفة. هذا…

​عبدالرحمن كلو ​ما يمكن قراءته بعمق من خلال الحرب الدائرة والمواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وبين إيران من الجهة الأخرى، أنها ليست حرباً تقليدية بالمطلق تُحسم بتقدم عسكري أو تراجع ميداني؛ بل هي تمثل في جوهرها نهاية حقبة تاريخية ممتدة في حياة الشرق الأوسط. هذه المرحلة يمكن أن نسميها بوضوح مرحلة “ما بعد الثورة الإيرانية” ونهاية…

د. محمود عباس إيران اليوم ليست في صراعٍ عابر مع واشنطن وتل أبيب، بل في مواجهةٍ مفتوحة على إعادة رسم موقعها في المنطقة. والسؤال لم يعد ما إذا كان هذا الصراع سينتهي، بل متى وكيف سيُعاد ترتيبه، ومن سيكون جزءًا من هندسة مرحلته التالية. فالتناقض بين الطرفين ليس خلافًا قابلًا للحل الدبلوماسي النهائي، بل تصادمًا بنيويًا في تعريف النفوذ والهيمنة…