عبدالرحمن كلو
ما يمكن قراءته بعمق من خلال الحرب الدائرة والمواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وبين إيران من الجهة الأخرى، أنها ليست حرباً تقليدية بالمطلق تُحسم بتقدم عسكري أو تراجع ميداني؛ بل هي تمثل في جوهرها نهاية حقبة تاريخية ممتدة في حياة الشرق الأوسط. هذه المرحلة يمكن أن نسميها بوضوح مرحلة “ما بعد الثورة الإيرانية” ونهاية تمدد الجمهورية الإسلامية الإيرانية بشكلها الراديكالي. وما بعد هذه الحرب سيكون بلا شك “منعطفاً بنيوياً” عميقاً يؤسس لنهاية حقبة “تصدير الثورة” وتداعياتها، وهي الحقبة التي هيمنت على الجغرافيا السياسية للمنطقة، واستنزفت مقدرات شعوبها منذ عام 1979.
وهنا، في مسرح هذه الحرب، سقطت استراتيجية إيران القائمة على استثمار “مساحات اللادولة” وبناء الهياكل الموازية للسيادات الوطنية. لقد بات جلياً أن تقويض هذا النموذج المعقد سيؤدي حتماً إلى انتقال المنطقة بأسرها من منطق “الصراعات بالوكالة” والحروب العبثية، إلى منطق “الاستحقاقات الوطنية الداخلية” التي تفرض على الدول التفرغ لبناء اقتصاداتها وتلبية احتياجات شعوبها.
و”الحالة العراقية”، بشكل خاص، ستدخل تحولاً جذرياً في طبيعة العلاقة بين بغداد وأربيل؛ حيث تتحول قوة إقليم كوردستان واستقراره من “هواجس أمنية” مفتعلة إلى “مرتكز استقرار إقليمي” وشريك سياسي شرعي في بيئة تخلو من التدخلات الخارجية الضاغطة والإملاءات الميليشياوية. إن هذا التحول الجديد سيعيد التعريف بمسارات حركة التحرر الوطني الكوردستانية، وسيؤسس آفاقاً واعدة لمرحلة “ما بعد الثورة الإسلامية” في إيران، حيث ستُطرح القضايا القومية والداخلية عموماً في مناخات سياسية صحية قائمة على احترام السيادة والمصالح المشتركة، بدلاً من الاستقطاب الأيديولوجي العابر للحدود الذي مزق النسيج المجتمعي.
لذا، فالمواجهة الراهنة أو الحرب القائمة بين التحالف (الأمريكي-الإسرائيلي) وإيران تتجاوز سياقاتها التكتيكية المرتبطة بالردع العسكري التقليدي أو تحجيم الملف النووي والباليستي، لتصل إلى جوهر الصراع حول “شرعية نموذج الدولة” في الشرق الأوسط، وهو الأهم لدى إدارة ترامب والغرب عموماً، الساعين لتفكيك نماذج الميليشيات لصالح مؤسسات الدول الرسمية.
يمكن تفكيك مسار هذا الصراع ومآلاته وفق الآتي:
أولاً: إشكالية “اللانمطية” في السلوك الإيراني (سياسة اللادولة)
تُشخَّص الحالة الإيرانية استراتيجياً بأنها حالة فريدة لـ “دولة تقود مشروع لا-دولة”. فعلى مدى زهاء نصف قرن، لم تكتفِ طهران باستخدام الأدوات الدبلوماسية التقليدية والأعراف الدولية المتعارف عليها، بل استثمرت بشكل ممنهج في الفراغات السيادية والهشاشة الأمنية في المنطقة (اليمن، العراق، سوريا، لبنان، وحتى محاولات الاختراق المتكررة في دول الخليج العربي).
لقد اعتمدت إيران على بناء بنية موازية للدولة الرسمية متمثلة في “الحرس الثوري” وفيلق القدس، مما مكنها من انتهاج سلوك عقائدي ومذهبي عابر للحدود. هذه الاستراتيجية المزدوجة أتاحت لها تنفيذ عمليات تصفية واغتيال لأهم القيادات السياسية (العربية والكوردية) حول العالم، وإدارة حروب مدمرة، دون أن تتحمل التبعات القانونية والسياسية المباشرة التي تقع عادة على عاتق الدول المؤسساتية.
ثانياً: المواجهة كـ “مسمار أخير” في نعش المشروع العقائدي الشيعي
بناءً على الرؤية العميقة التي تنبأ بها الراحل (هنري كيسنجر) والتي وصفت هذا المشروع بأنه طموح إمبراطوري توسعي يختبئ خلف غطاء ديني عابر للحدود، حيث تنبأ بان الحرب أو القوة العظيمة ال ” Super Power ” ستنهي هذ المشروع كمسار اخير في نعش ” قوة إيران الافنراضية ” وذلك كعملية تصحيحية قسرية لا مفر منها تهدف إلى إغلاق قوس “المد العقائدي”.
إن السقوط الحتمي لفاعلية هذا النظام الإقليمية، وقبله تهاوي النظام السوري الذي شكل ركيزة وجسراً حيوياً للتموضع الإيراني نحو البحر المتوسط، سيعني ببساطة انهيار منظومة التدخلات الخارجية بأكملها؛ تلك المنظومة التي لطالما عبثت بالاستقرار الإقليمي وجعلت من عواصم عربية مجرد أوراق تفاوضية على طاولة طهران.
ثالثاً: إعادة هندسة التوازنات وتأميم الأزمات
إن السقوط المرتقب لـ “عامل الضغط الخارجي” الإيراني سيؤدي حتماً إلى ظاهرة “العودة إلى الداخل” أو تأميم الأزمات. فبغياب التدخلات الإقليمية العابرة للحدود والتمويل الخارجي للميليشيات، ستجد دول المنطقة نفسها وجهاً لوجه أمام استحقاقاتها ومسائلها الداخلية حصراً، كالتنمية، والاقتصاد، وتوفير الخدمات الأساسية والسلم الأهلي الداخلي.
هذا التطور الهام سيسحب الذرائع من دول إقليمية أخرى مثل تركيا، صاحبة المشروع المللي التي ستفقد مبررات التدخل العسكري في شؤون الجوار تحت يافطة “حماية الأمن القومي” المهدد من قبل تنظيمات مسلحة أو فوضى عابرة للحدود. البيئة الإقليمية في المرحلة المقبلة ستتحول إلى منظومة دول مستقرة تحكمها القوانين، لا مساحات استباحة وتصفية حسابات.
رابعاً: الديناميكية العراقية وقوة “أربيل” كمرتكز للاستقرار
في سياق تراجع نفوذ فواعل “اللادولة” والميليشيات المنفلتة، يبرز العراق كمسرح رئيسي ومهم لهذا التحول الاستراتيجي. هنا، لن يُقرأ التماسك السياسي والمؤسسي والاقتصادي لإقليم كوردستان بوصفه مصدر قلق أو تهديد للمركز، بل سيتبلور كـ “عامل استقرار بنيوي” للمنطقة بأسرها، وعامل تصحيح ضروري لمعادلة الأمن مع دول الجوار.
هذا التحول الجوهري سيخرج العلاقات الإقليمية والبينية (بين العاصمة الاتحادية بغداد وإقليم كوردستان في أربيل) من تحت عباءة “الإرهاصات والضغوطات الأمنية المشوهة” التي كانت تفرضها أجندات خارجية، لينتقل بها إلى فضاء “العلاقات السياسية-الأمنية الصحية، المؤسسية والعلنية”. حينها، ستُبنى الشراكات الاستراتيجية والاقتصادية على أسس شفافة تحترم السيادة الدستورية وتضمن استقرار وازدهار الجميع.
خامساً: القضية الكوردية ومرحلة “ما بعد الثورة” [ما بعد ثورة إيران]
إن هذه المناخات الصحية والجديدة التي ستفرزها التحولات الراهنة، ستوفر بيئة سياسية ملائمة ومقاربات واقعية جادة لحل القضية الكوردية في أجزائها المختلفة (العراق، سوريا، إيران، وتركيا). وفي ظل تراجع الخطابات الشوفينية المدعومة إقليمياً، ستبدأ حركة التحرر الوطني الكوردستانية خطوات حقيقية نحو مرحلة نوعية جديدة تعتمد على الحوار البناء والمكتسبات الدبلوماسية.
اليوم، نحن بصدد الدخول بوضوح وشفافية تامتين في مرحلة “ما بعد سقوط الثورة”. إنها النهاية الفعلية لنموذج “الثورة الإسلامية” التي استمرت كحالة هجومية مستمرة حتى اليوم، وبداية عهد جديد في المنطقة والعالم؛ عهدٌ يعيد الاعتبار لمفاهيم السيادة الوطنية، الاستقرار المجتمعي، والتنمية المستدامة كأسس لبناء مستقبل الشرق الأوسط بعيداً عن لغة الحروب والميليشيات.