عنايت ديكو
حقيقة، أنا لستُ ضدّ عودة “الآبوجيين” من أبناء وبنات عفرين، كأشخاصٍ وأفرادٍ طبيعيين إلى مهادهم ومواطنهم وبلداتهم، وهذا حقٌّ طبيعيٌّ لهم في الرجوع إلى بيوتهم وقراهم وأهاليهم، وأنا ككاتب وكفرد سأدافع بكلّ ما أملك من قوّة لعودة هؤلاء الناس إلى مواطنهم الأصلية. لكن ما لاحظته بعد كتاباتي الأخيرة وقرعي لأجراس الرعب والخطر القادمين من الممالك الآيديولوجية الآبوجية، هو أنّ بعض المارقين الآيكولوجيين قد خرجوا من أنفاق “آلدار خليل” الرطبة، وبدؤوا بزرع الفتن والتلفيق والأكاذيب، وإطلاق حملات التخوين والإهانات والمسبّات القبيحة، وركوب حالة الاحتقان السياسي والحزبي عند الحشد الآبوجي، وذلك للتعويض عن الخسارات والهزائم السياسية والعسكرية والأخلاقية التي رافقت الهروب الجماعي والمعارك الفاشلة والحروب السياسية والعسكرية في الشيخ مقصود بحلب، ودير حافر، والرقة، ودير الزور، وغيرها، وسلكوا مبدأ: “الهجوم هو خير وسيلة للدفاع عن النفس”.
أقول لهذه الشلّة الفالتة المتزعرنة والمتسرطنة: أنا واضحٌ في الطرح والرؤى والرأي، وأقولها بكلّ صراحةٍ وفصاحة: أنا أحد المواطنين من عفرين، أرفض عودة “الآبوجية الآيديولوجية” مرّةً ثانية إلى ربوع كورداغ، وليس الآبوجيين.
نعم، وأعلنها، أنني أرفض “الآبوجية” كفكرٍ وممارسةٍ وتفكير، وكمنهجيةٍ آيديولوجيةٍ عابرةٍ للحدود والقارات، وبشكلٍ قاطعٍ لا ريب فيه.
أنا أرفض فلسفتهم وعقيدتهم وعُدّتهم وأدواتهم الفكرية وأسلحتهم الأيديولوجية وطريقة تفكيرهم، وهذا من حقّي أن أرفض أيَّ فكرٍ أو منهجٍ سياسيٍّ أو حزبيٍّ أو عقائديّ.
إنني أرفض مقولة “قائد الضرورة”، وفلسفة الآيكولوجيا والبراديغما، ومصطلح “أخوّة الشعوب”، والعقيدة التي صوّرت لنا أنّ الشمس لا تشرق إلا بإذنٍ من السروك، وأنّ الحياة لا تُعرَف إلا عبر منظار السيّد القائد.
مرّةً ثانية أقول: إنّ الذي يطالب بقدوم الأيديولوجيا الآبوجية إلى كورداغ، سيرحّب غداً بقدوم البعثية والفكر العفلقي أيضاً.
فنتيجة تلك الفلسفة الطوباوية، خسرت كورداغ كلَّ عناصر القوّة لديها، وحدث ما حدث من جرائم وويلات وتهجير وقتل ورعب واعتقال، ونكبة مدمرة.
انظروا إلى المجتمعات التي تحرّرت من سطوة الديكتاتوريات والأيديولوجيات الشمولية، مثل ألمانيا وإسبانيا وروسيا؛ فهي لم تبنِ استقرارها على إنكار الجرائم وفشل كليشة الأيديولوجيات الكارثية، ولا على إعادة تدوير الفكر المدمر الذي أنتجها، بل على تفكيكه ومحاسبته وتجريده من شرعيته.
علينا أن نقف بصلابةٍ تامّة في وجه أيّة محاولة لإعادة إدخال الرعب والمحاكم الصورية وفلسفة بناء الأنفاق والقتل والخطف والتخوين ثانيةً إلى مجتمعنا؛ فعودة الأيديولوجيا ليست عودة أفراد، بل عودة اصطفافات، وعودة ثأرٍ وثأرٍ مضاد، وعودة مناخٍ مسموم يعيد فتح الجراح ويحوّل المجتمع إلى ساحة تصفية حسابات. هناك آلاف العائلات التي دفعت أثماناً باهظة بسبب تلك المنظومة العابرة للحدود، وإن مجرّد عودتها بلباسها القديم وعتادها القديم يعني إشعال فتيل دورةٍ جديدةٍ من الفشل الكارثي الأليم.
بعض السياسات والممارسات التي ارتُكبت لم تكن “أخطاء مرحلة”، بل ترقى إلى مستوى جرائم خطيرة لا تُمحى بشعارٍ ثوريّ، ولا تُغسل بخطابٍ عاطفيّ، أو تنظير تلميذ ببغاوي، أو منظر كارثي.
تخيّلوا — كمثالٍ واحدٍ فقط — ما جرى لعائلة شيخ حنّان من قرية آڤرازه AVRAZÊ بعفرين: اذ تم حرقُ منزلهم، وقتلُ أفرادهم، وسحلُهم في الشوارع، وإضرامُ النار في ممتلكاتهم، وتركُ جثثهم مرميةً على قارعة الطريق، ثم مطالبة المارّة وبعض المؤدلجين بالوقوف أمام الجثث والبصق عليها. هناك صورٌ ومقاطع موثّقة تشهد على ذلك. هذه ليست روايةً عابرة، بل جريمةٌ محفورة في الذاكرة الجماعية.
فبأيّ منطقٍ سياسي؟ وبأيّة ضماناتٍ أخلاقية؟ وبأيّ تعهّدٍ قانونيّ؟ يمكن أن تعود هذه الثقافة إلى ديارنا وكأنّ شيئاً لم يكن؟
القضية ليست خلافاً سياسياً بين تيارات، بل كرامةٌ منتهكة، وثقةٌ مهدورة، وجراحٌ مفتوحة في وجدان الناس. ومن دون عدالةٍ واضحة، ومحاسبةٍ صريحة، واعترافٍ علنيٍّ بالانتهاكات، والوقوف أمام لوحة الاعتذار التاريخي بشجاعةٍ ومسؤولية، فإنّ أيَّ حديثٍ عن “العودة الآيديولوجية” سيصبح إعادةَ إنتاجٍ للاستبداد، وتدويراً للرعب بلباسٍ جديد.
نعم، العودة حقٌّ لكلّ إنسانٍ إلى بيته وأرضه وأهله، وسنرحّب بكلّ من يعود بصفته مواطناً طبيعياً لا وصيّاً عقائدياً. لكن على هذا التنظيم، إن أراد أن يتجنّب صداماً جديداً مع المجتمع، أن يترك ويخلع أيديولوجيته خارج أسوار عفرين؛ ويتطهر بمائها، فهذه الأرض لم تعد تحتمل مزيداً من التجارب القاتلة باسم الخلاص.