هل نحن سلطة ومعارضة أم حركة تحرر لم تكتمل بعد؟ – الحلقة الثانية

د. محمود عباس

في غربي كوردستان، نتصرف أحيانًا وكأن الدولة قد وُلدت، وكأن السيادة قد استقرت، وكأن الصراع بيننا هو صراع برامج داخل نظامٍ مكتمل. أنصار الإدارة الذاتية يتحدثون بلغة السلطة، وأنصار المجلس الوطني يتحدثون بلغة المعارضة، وكأننا داخل دولة مستقرة لا تهددها الجغرافيا ولا تحاصرها الحسابات الإقليمية. غير أن هذا التصوير المريح يخفي مفارقة خطيرة: نحن نستعير منطق الدولة قبل أن تتوافر شروطها، وندير خلافاتنا بعقلية كيانٍ لم يُحسم بعد وجوده السياسي.

والمفارقة الأعمق أن هذا السجال يجري في لحظة تراجع حقيقية. ففي الشهور الأخيرة تحديدًا، خسر الطرفان جزءًا مهمًا من مكتسباتهما السياسية، سواء بفعل إعادة تموضع الحكومة السورية الانتقالية، أو نتيجة تبدّل الأولويات الإقليمية، أو في ظل انكفاء الدعم الأمريكي عن قوات سوريا الديمقراطية. لا الإدارة الذاتية بقيت سلطة مكتملة، ولا المجلس الوطني أصبح معارضة قادرة على فرض معادلة جديدة. ومع ذلك، يُدار الخلاف بينهما بلغة سلطة ومعارضة مستقرتين، بينما الواقع يشير إلى هشاشة مشتركة وتراجع متزامن.

فهل نحن فعلًا سلطة ومعارضة داخل دولة مستقلة، أم قوى متعددة داخل مشروع تحرري لم يكتمل بعد؟

منذ تصاعد الخلاف بين قوى الإدارة الذاتية وأحزاب المجلس الوطني الكوردي في غربي كوردستان، يتكرّر توصيف المشهد بلغة تبدو مألوفة في الدول المستقرة، سلطة في مقابل معارضة، حكومة في مقابل خصوم سياسيين، برنامج في مقابل برنامج. غير أن هذا التوصيف، على بساطته الظاهرية، يخفي خللًا مفاهيميًا عميقًا، هل نحن فعلًا في حالة دولة مكتملة السيادة حتى نستعير منطقها السياسي؟

الدولة المستقرة تُدار بمنطق تداول السلطة، وتوازن المؤسسات، ووجود سيادة معترف بها وحدود مصونة. أما غربي كوردستان، فالمجال فيها لا يزال مجالًا تحرريًا هشًا، يتشكّل تحت ضغط إقليمي ودولي، ويعيش في ظل تهديدات أمنية دائمة، ويعتمد في بقائه على توازنات دقيقة. في مثل هذا السياق، يصبح استيراد نموذج “السلطة والمعارضة” بصيغته الصفرية مخاطرة سياسية لا مجرد اختلاف في المصطلحات.

وهذا لا يعني أن الإدارة الذاتية معصومة من الخطأ، ولا أن المجلس الوطني بلا مسؤولية في تعميق الهوة. كلا الطرفين ارتكب أخطاء سياسية وإدارية وتقديرية ساهمت في توسيع مساحة الشك المتبادل. غير أن معالجة هذه الأخطاء بمنطق كسر العظم لا تؤدي إلى إصلاحها، بل إلى مضاعفتها.

ليس المقصود هنا الدعوة إلى إلغاء التعدد أو تعليق النقد، فحركات التحرر التي ألغت التعدد تحولت سريعًا إلى أنظمة مغلقة. لكن المقصود هو التمييز بين التعدد المنضبط داخل مشروع تحرري جامع، وبين الصراع الصفري الذي يفترض أن أحد الأطراف يجب أن يُقصى كي يستقر المجال. في المراحل التأسيسية، الإقصاء لا ينتج استقرارًا؛ بل يفتح الباب لتصدع أعمق.

التاريخ الحديث لحركات التحرر يوضح هذه المعادلة بجلاء، حين تُقدَّم المنافسة الحزبية على وحدة المجال التحرري، يتقدم الخصم الخارجي بخطوات أسرع مما يتقدم أي طرف داخلي. فالانقسام في مرحلة التحرر لا يُقرأ خارجيًا بوصفه ديمقراطية ناشئة، بل يُقرأ بوصفه هشاشة قابلة للاستثمار.

في غربي كوردستان، توازن القوى بين الأطراف ليس تفصيلًا ثانويًا؛ إنه معطى بنيوي. لا أحد قادر على إلغاء الآخر دون كلفة وجودية. وحين يكون الحسم مستحيلًا، يتحول التصعيد إلى استنزاف. والسؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح، من يستفيد من استنزاف متبادل في مرحلة لم تكتمل شروطها السياسية بعد؟

حين يتعامل كل طرف مع ذاته بوصفه “الممثل الأجدر”، ويتعامل مع الآخر بوصفه عبئًا على المشروع، فإننا ننتقل من تنافس سياسي إلى صراع هوية. وهذه النقطة تحديدًا هي التي تجعل الخلاف أكثر خطورة من كونه مجرد اختلاف برامج.

إن الخلط بين “الدولة” و” المجال التحرري” يقود إلى سوء تقدير خطير. فالدولة يمكن أن تحتمل معارضة قوية لأنها محمية ببنيتها المؤسسية. أما المجال التحرري غير المكتمل، فكل شرخ داخلي فيه ينعكس مباشرة على قدرته الدفاعية والسياسية. هنا يصبح الحفاظ على الحد الأدنى من التوافق الاستراتيجي شرطًا للبقاء، لا مجرد خيار أخلاقي.

لا يعني ذلك تجميد الخلافات أو تذويب الفوارق بين مشروع الإدارة الذاتية ورؤية المجلس الوطني الكوردي. بل يعني إعادة ترتيب الأولويات، هل الهدف هو إثبات تفوق طرف على آخر؟ أم حماية المجال الكوردستاني في غربيه من التآكل قبل أن يستكمل شروط تحوله إلى كيان سياسي معترف به؟

إذا اعتبرنا أنفسنا في طور حركة تحرر وطني، فإن المعيار الأعلى لا يكون من يملك الشرعية التمثيلية الأكبر، بل من يحافظ على المجال المشترك من الانهيار. أما إذا افترضنا أننا دولة مكتملة، فإن منطق الغلبة الحزبية سيستمر في إنتاج استقطابٍ يتجاوز السياسة إلى المجتمع ذاته.

إن تحويل الخلاف بين الإدارة الذاتية والمجلس الوطني إلى معركة إثبات شرعية نهائية يضع الشارع الكوردي أمام خيارين خاطئين: إما الاصطفاف الكامل، أو التخوين الكامل. وبين الاصطفاف والتخوين تضيع المساحة الوطنية المشتركة التي بدونها لا تقوم حركة تحرر أصلًا.

المرحلة تفرض تعريفًا دقيقًا للذات، هل نحن سلطة ومعارضة داخل دولة مستقرة؟ أم قوى متعددة داخل مشروع تحرري لم يُحسم بعد؟

الإجابة عن هذا السؤال لا تحدد شكل الخطاب فحسب، بل تحدد طبيعة الصراع ذاته.

وفي بيئة لم تُحسم فيها السيادة ولم يكتمل فيها الاعتراف، فإن أخطر ما يمكن فعله ليس الاختلاف، بل إدارة اختلافاتنا بعقلية دولة لم تولد بعد، فنحوّل خلافًا قابلًا للاحتواء إلى استنزاف قد يُفقدنا ما تبقى من المجال الذي نحاول حمايته.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

26/2/2026م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

بمناسبة يوم الأم العالمي، نتقدم بأسمى آيات التقدير والاحترام إلى جميع الأمهات، وإلى المرأة الكوردية بشكل خاص، التي شكّلت عبر التاريخ نموذجًا للصبر والعطاء والنضال، وقدّمت تضحيات كبيرة في سبيل حماية الأسرة، وصون الكرامة، والمساهمة الفاعلة في بناء المجتمع والدفاع عن قيم الحرية والعدالة. إن هذه المناسبة لا تمثل فقط محطة للاحتفاء بدور الأم، بل هي أيضًا فرصة للتوقف أمام…

ماهين شيخاني   مقدمة: ليست مجرد لافتة هل يمكن أن تكون لوحة معدنية معلقة على جدار مبنى حكومي سبباً لأزمة سياسية طاحنة؟ في الحسكة، المدينة التي عرفت كل أنواع الصراعات، كان الجواب: نعم. ما جرى في الأيام القليلة الماضية حول القصر العدلي في الحسكة لم يكن مجرد “تغيير لافتات”، ولا خلافاً إدارياً عابراً بين موظفين. كان معركة هوية مكشوفة، وجولة…

د . مرشد اليوسف التصعيد المؤسف حول اللوحة التعريفية للقصر العدلي بالحسكة يعكس واقعاً معقداً، حيث يبدو أن طرفي النزاع لا يرغبان بالجلوس لحل جذري للمشكلة . والخلاف لم يعد مجرد خلاف على لافتة، بل تحول إلى رمز لصراع سياسي أعمق، مما يجعله عرضة لاستغلال أطراف قد لا تريد نجاح عملية التفاهم والإندماج السلس . ولفهم سبب عدم الحل ،…

كردستان يوسف إنه لأمر مدهش كيف تتحول أبسط مقومات الوجود الإنساني في سوريا الى صراع، وكيف يصبح حق اللغة موضع جدال، وقضية يتم النظر إليها ضمن ازدواجية غريبة، فبينما تعتبر اللغة العربية ثوابت وطنية مقدسة، ينظر إلى اللغة الكردية نظرة دونية، فكيف وبعد أكثر من عقد من التعليم باللغة الكردية تطالب الحكومة المؤقتة في دمشق بإلغاء هذا النظام وإدراج اللغة…