قيادة النساء: الجسر الحتمي نحو الديمقراطية في إيران..

نظام مير محمدي *

 

في توقيت بالغ الحساسية، ومع اقتراب اليوم العالمي للمرأة، لم يكن المؤتمر الدولي الذي عُقد يوم السبت 21 فبراير في المقر المركزي للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية شمال باريس مجرد احتفال بروتوكولي، بل كان بمثابة “مانيفستو” سياسي يرسم خارطة طريق لمستقبل إيران. الرسالة التي خرجت من هذا التجمع الحاشد، الذي ضم شخصيات سياسية ونسوية عالمية بارزة، كانت واضحة وحاسمة: “لا ديمقراطية في إيران المستقبل دون أن تكون المرأة في قلب القيادة وصنع القرار.”

إن القراءة المتأنية لمجريات هذا المؤتمر، وخاصة الخطاب المفصلي للرئيسة المنتخبة من قبل المقاومة السيدة مريم رجوي، تضعنا أمام معادلة سياسية جديدة تتجاوز الشعارات التقليدية لتلامس عمق الصراع الوجودي بين الشعب الإيراني ونظام الملالي.

استراتيجية “المرأة، المقاومة، الحرية”

في كلمتها الرئيسية، لم تكتفِ السيدة مريم رجوي بتوصيف معاناة المرأة الإيرانية، بل فككت الأيديولوجية التي يقوم عليها نظام ولاية الفقيه. لقد أوضحت أن “معاداة المرأة” ليست مجرد ممارسة جانبية للنظام، بل هي ركيزة أساسية في استراتيجيته للقمع والبقاء. وبالتالي، فإن مواجهة هذا النظام لا يمكن أن تنجح إلا من خلال قوة نقيضة تتمثل في قيادة النساء.

وقد أكدت السيدة رجوي في طرحها المتقدم أن شعار “المرأة، المقاومة، الحرية” هو الرد العملي والجذري على دكتاتورية الملالي. فالديمقراطية الحقيقية في إيران لا تمر إلا عبر تفكيك القوانين والذهنية التي أسسها الملالي، واستبدالها بنظام جمهوري ديمقراطي يضمن المساواة الكاملة.

إجماع دولي: نساء إيران ملهمات العالم

ما ميز هذا المؤتمر هو الحضور النوعي لشخصيات دولية لها ثقلها في صناعة القرار العالمي، مما يعكس إدراكاً دولياً متزايداً بأن التغيير في إيران قادم لا محالة، وأن محركه الأساسي هو المرأة.

ميشيل أليو ماري، وزيرة الخارجية والدفاع والعدل الفرنسية السابقة، قدمت شهادة سياسية هامة في كلمتها، حيث أشارت إلى أن نضال النساء الإيرانيات يتجاوز الحدود الجغرافية لإيران، ليصبح رمزاً عالمياً للشجاعة. وشددت على أن “إيران الغد” التي يطمح إليها العالم الحر هي تلك التي تتبنى القيم الديمقراطية التي تمثلها السيدة رجوي، مؤكدة أن القيادة النسائية هي الضمانة لعدم عودة الديكتاتورية بأي شكل من الأشكال.

من جانبها، ركزت إنغريد بيتانكور، المرشحة السابقة للرئاسة الكولومبية، على البعد الأخلاقي والسياسي للمقاومة الإيرانية. واعتبرت أن صمود النساء الإيرانيات في وجه أعتى دكتاتورية دينية في العصر الحديث هو دليل على أن “قوة التغيير” تكمن في الإرادة التي لا تنكسر، مشيرة إلى أن العالم بات يدرك الآن أكثر من أي وقت مضى أن استقرار المنطقة والعالم مرتبط بإنهاء حكم الملالي.

الشباب الثوار: الذراع الضاربة للتغيير

الربط الاستراتيجي الذي ظهر في المؤتمر لم يغفل الواقع الميداني داخل إيران. فبينما كانت القيادة السياسية في باريس ترسم ملامح المستقبل، كان “الشباب الثوار” في شوارع المدن الإيرانية يترجمون هذه الرؤية إلى فعل مقاوم يومي.

إن الدور القيادي للمرأة في صفوف المقاومة المنظمة قد ألهم جيلاً كاملاً من “وحدات الانتفاضة” الذين يتحدون القمع الوحشي يومياً. هذا التلاحم بين القيادة السياسية المتمثلة في المجلس الوطني للمقاومة وبين القوى الميدانية، يؤكد ما ذهبت إليه التقارير الدولية والتصريحات الأخيرة لشخصيات أمريكية وبريطانية (كما ورد في سياق تصريحات برايان ماست وفالون)، من أن مرحلة الملالي قد دخلت طور النهاية، وأن التغيير لم يعد مجرد احتمال بل ضرورة حتمية.

الخاتمة: الديمقراطية رهنٌ بالقيادة النسائية

يخلص المؤتمر إلى نتيجة استراتيجية لا تقبل الجدل: إن أي حديث عن ديمقراطية في إيران دون الاعتراف بالدور القيادي للمرأة هو حديث فارغ. نظام الملالي الذي بنى سلطته على قهر النساء، لن يسقط إلا على يد هؤلاء النساء أنفسهن، مدعومات بتنظيم سياسي محكم وعزيمة “الشباب الثوار”.

إن خطة النقاط العشر التي طرحتها السيدة مريم رجوي، والتي كانت محور نقاشات المؤتمر، لا تمثل فقط وثيقة لحقوق المرأة، بل هي “دستور العبور” من ظلامية الملالي إلى نور الحرية والجمهورية الديمقراطية. وكما أجمع المتحدثون، فإن العالم اليوم يقف احتراماً لهذه القيادة التي أثبتت أن المرأة ليست ضحية في المعادلة الإيرانية، بل هي صانعة التاريخ وقائدة المستقبل.

* كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…