الاندماج الكردي في الدولة السورية: تحديات وآفاق المستقبل.

اكرم حسين

يشهد تاريخ سوريا المعاصر مرحلة مفصلية، حيث يتداخل الحاضر بالماضي وتتراكم المصائر على مفترق طرق جديد يعيد رسم علاقات مكونات الدولة السورية ، وفي القلب منها المكون الكردي. فبعد الاتفاق الذي تم في 18 يناير 2026، تلت التطورات التي بدأت بانسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من دير حافر ومسكنة ، وتعرضها لهجوم من بعض أبناء العشائر العربية ، سلسلة من الأحداث التي أظهرت تعقيد الوضع القائم ، ومع تصاعد العنف، بدأ البحث عن حلول شاملة، ما أدى إلى التوقيع على اتفاق 29 يناير 2026، الذي نص على وقف إطلاق النار ودمج مؤسسات الإدارة الذاتية المدنية والعسكرية ضمن النظام السوري مع الحفاظ على خصوصية المنطقة الكردية .

جاء هذا الاتفاق ليعكس رغبة جميع الأطراف في دخول مرحلة جديدة من الاستقرار، رغم أن تطبيقه الكامل يحتاج إلى جهود مكثفة ووقت طويل. إلا أن الحقيقة الواضحة هي أن ما يحدث هو انتقال حقيقي نحو اندماج مؤسسات الإدارة الذاتية المدنية والعسكرية في النظام السياسي السوري، حيث لم تعد  قسد أو الإدارة الذاتية كيانات مستقلة، بل جزءاً من البنية القانونية والدستورية للدولة السورية وهو تحول جذري يتجاوز تغيير الأسماء والعناوين، ويتجه نحو الاندماج الكامل في النظام السوري.

إحدى النقاط الحاسمة في هذه العملية كانت اللقاءات بين هيئة رئاسة المجلس الوطني الكردي ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني والرئيس الانتقالي أحمد الشرع، والتي شكلت خطوة مهمة نحو إشراك الكرد في بنية الدولة السورية. كما يعد إصدار المرسوم الرئاسي 13 لعام 2026، الذي اعترف بوجود الكرد كجماعة أصلية في سوريا وأقر بلغتهم كلغة وطنية، تحولاً نوعياً في تاريخ القضية الكردية. وبالرغم من أن هذه الإجراءات تمثل بداية إيجابية، إلا أن الحل الكامل للقضية الكردية ما زال يتطلب خطوات إضافية.

ورغم ما حققته هذه الخطوات من تقدم، إلا أن الطريق أمامها مليء بالتحديات. فلا تزال قضايا مثل حقوق الكرد في مختلف المناطق السورية، وتوزيع السلطات والصلاحيات بين المركز والمحافظات، والعلاقة المستقبلية بين الكرد والدولة السورية بحاجة إلى معالجة شاملة ، وهذا يتطلب إرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف لتحقيق تغييرات جذرية.

من ناحية أخرى، تتطلب المرحلة الحالية تعزيز الثقة بين القوى الكردية المختلفة على اختلاف توجهاتها، وخلق بيئة مناسبة للتعاون بعيداً عن التصعيد السياسي. فالوضع الحالي يفرض على الكرد العمل من أجل تشكيل مرجعية موحدة تنسق المواقف وتدير التنوع الكردي في سوريا بما يتماشى مع مصالحهم القومية. هذه المرجعية ضرورية لدعم الموقف الكردي في المفاوضات مع الدولة السورية، وضمان حماية حقوقهم في إطارها.

في هذا السياق، تصبح الحاجة إلى رؤية موحدة للمستقبل السوري أمراً أساسياً. بحيث تتجاوز هذه الرؤية النموذج التقليدي للعلاقات بين المركز والأطراف، وأن تكون شاملة وتحتضن جميع الفئات والمكونات الاجتماعية داخل سوريا ، ولتحقيق ذلك، يتطلب الأمر بناء توافق داخلي كردي يساهم في تعزيز موقفهم السياسي ويحولهم إلى شريك حقيقي في صناعة المستقبل .

وفي النهاية، يبقى الأمل مرهوناً في مستقبل أفضل للكرد في سوريا بالاستمرار في الحوار، ووجود إرادة سياسية حقيقية لإرساء أسس العدالة والمساواة لجميع مكونات المجتمع السوري.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدو خليل Abdo Khalil وفق أحدث تصريحات إلهام احمد تقول بدم بارد ( قد تندلع حرب جديدة).. بينما من المفترض أن الأمور تسير على مهل في الحسكة و القامشلي وكان آخرها كمؤشر على تقدم الأستقرار، إعادة تأهيل مطار القامشلي.. ولكن على ما يبدو لا يمكننا البتة الفصل بين التحضيرات العسكرية الأمريكية التي تمضي على قدم وساق ضد إيران وبين ما…

خالد حسو   تُعبّر العزة القومية عن وعي جماعي بالهوية والوجود والحقوق التاريخية والثقافية لشعبٍ ما، وهي مفهوم سياسي وقانوني يرتكز على مبدأ الاعتراف المتبادل بين المكونات داخل الدولة الحديثة. ولا تُفهم العزة القومية بوصفها نزعة إقصائية أو مشروع هيمنة، بل باعتبارها تمسكًا مشروعًا بالكرامة الجماعية، ورفضًا لأي أشكال التهميش أو الإنكار، ضمن إطار يحترم التعددية والمساواة في الحقوق والواجبات….

عدنان بدرالدين تدخل الأزمة الإيرانية في أواخر فبراير 2026 مرحلة اختبار جديدة، من دون أن تقترب فعليًا من نقطة حسم. المهلة التي حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقترب من نهايتها، والمفاوضات غير المباشرة في جنيف تستعد لجولة جديدة، فيما تعود الاحتجاجات الطلابية إلى جامعات طهران ومشهد. ورغم هذا التزامن بين الضغط الخارجي والغضب الداخلي، لا تبدو مؤشرات السقوط الفوري أقوى…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…