إيران على حافة الحسابات الخاطئة

عدنان بدرالدين
تدخل الأزمة الإيرانية في أواخر فبراير 2026 مرحلة اختبار جديدة، من دون أن تقترب فعليًا من نقطة حسم. المهلة التي حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقترب من نهايتها، والمفاوضات غير المباشرة في جنيف تستعد لجولة جديدة، فيما تعود الاحتجاجات الطلابية إلى جامعات طهران ومشهد. ورغم هذا التزامن بين الضغط الخارجي والغضب الداخلي، لا تبدو مؤشرات السقوط الفوري أقوى مما كانت عليه قبل أسابيع، كما لا تبدو التسوية الشاملة أقرب.
التصعيد العسكري الأميركي، بما في ذلك نشر حاملة الطائرات الأميركية «جيرالد فورد» وتعزيز القوات الجوية، يُفهم حتى الآن بوصفه أداة ضغط تفاوضي أكثر منه تمهيدًا لحرب شاملة. واشنطن تدرك أن ضربة واسعة قد تفتح مسارات يصعب التحكم بها، من اضطراب في أسواق الطاقة إلى انزلاق إقليمي أوسع، لكنها في الوقت نفسه تختبر حدود الردع وتضغط لانتزاع تنازلات تتعلق بالبرنامج النووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي. المشكلة أن الضربات المحدودة، إن حدثت، لا تضمن بقاءها محدودة، فخطأ في الحساب أو رد محسوب يتجاوز التوقعات قد يدفع نحو تصعيد تدريجي لا يريده أي طرف لكنه قد يجد نفسه داخله.
في الداخل، تعكس الاحتجاجات طاقة حقيقية وغضبًا متراكمًا، لكنها تعيد إنتاج المعضلة نفسها: غياب إطار سياسي جامع قادر على تحويل الاحتجاج إلى مسار تغييري. تتوزع طاقة الاعتراض بين مكوّنات قومية ذات هواجس مختلفة، وتيارات “إصلاحية” لا تريد القطيعة الكاملة مع السياسة الحالية للبلاد، ونخب ليبرالية محدودة التنظيم، ومعارضة خارجية بلا جذور اجتماعية متينة، ما يحوّل الغضب من قوة ضغط تراكمية إلى طاقة مشتتة. النظام، الذي لا يقوم أساسًا على شرعية تمثيلية تقليدية، لا يتعامل مع الاحتجاج بوصفه خسارة لرصيد انتخابي، بل بوصفه تحديًا أمنيًا يجب احتواؤه. في هذا المنطق، يصبح القمع أداة وظيفية لا مؤشر أزمة وجودية، ويُعاد تأطير الاعتراض كاختراق أو توقيت خاطئ في لحظة «صمود وطني».
العنصر الحاسم لا يزال غائبًا: انقسام واضح داخل النخبة الصلبة. ما دامت مراكز القرار الأساسية متماسكة، وما دام الاقتصاد، رغم أزماته، لم يصل إلى نقطة انهيار شامل، فإن النظام يستطيع الاستمرار في إدارة الضغوط بدل الانهيار تحتها. التغيير، إن حدث، لن يكون نتيجة ضغط خارجي وحده، ولا نتيجة احتجاج داخلي منفصل، بل نتيجة تقاطع نادر بين ضغط الشارع وتصدع داخلي في بنية السلطة.
تبدو المعادلة الراهنة قائمة على توازن هش لكنه مستمر: غضب بلا قيادة موحّدة، ضغط بلا استعداد لفوضى شاملة، ونظام ضعيف سياسيًا لكنه متماسك أمنيًا. لم يعد السؤال ما إذا كان النظام مقبولًا أو مرفوضًا، بل ما إذا كان هذا التوازن قابلًا للاستمرار، أم أنه مؤقت بطبيعته. تُدار الأزمة لأن كلفتها الحالية أدنى من كلفة المجهول، لكن ما سيحسم المرحلة ليس الخطاب ولا الاستعراض العسكري، بل احتمال خطأ في الحساب يتجاوز منطق الردع.
23 شباط / فبراير 2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدو خليل Abdo Khalil وفق أحدث تصريحات إلهام احمد تقول بدم بارد ( قد تندلع حرب جديدة).. بينما من المفترض أن الأمور تسير على مهل في الحسكة و القامشلي وكان آخرها كمؤشر على تقدم الأستقرار، إعادة تأهيل مطار القامشلي.. ولكن على ما يبدو لا يمكننا البتة الفصل بين التحضيرات العسكرية الأمريكية التي تمضي على قدم وساق ضد إيران وبين ما…

خالد حسو   تُعبّر العزة القومية عن وعي جماعي بالهوية والوجود والحقوق التاريخية والثقافية لشعبٍ ما، وهي مفهوم سياسي وقانوني يرتكز على مبدأ الاعتراف المتبادل بين المكونات داخل الدولة الحديثة. ولا تُفهم العزة القومية بوصفها نزعة إقصائية أو مشروع هيمنة، بل باعتبارها تمسكًا مشروعًا بالكرامة الجماعية، ورفضًا لأي أشكال التهميش أو الإنكار، ضمن إطار يحترم التعددية والمساواة في الحقوق والواجبات….

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…