ملامح من معركة الشعب ضد الديكتاتورية.. انتصار الشعب على الديكتاتورية قادم! 1-2

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)*

قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق.

ورغم أن إيران دفعت أثماناً باهظة في العقود الماضية تحت ظل «الارتجاع والاستعمار» وفقدت أرواح مئات الآلاف من أبنائها، إلا أن تجربة التاريخ أثبتت أنه لا يمكن لأي ديكتاتورية أن تبقي شعباً في الأسر إلى الأبد. فإرادة الشعوب تشق طريقها في النهاية.

أسقط الشعب الإيراني ديكتاتورية الشاه عام 1979 وألقى بها في مزبلة التاريخ. واليوم أيضاً، هم حاضرون في الميدان لإنهاء الديكتاتورية الدينية الحاكمة، وقد عقدوا العزم على منع أي عودة إلى الماضي. وشعار «لا لنظام الشاه، ولا نظام الملالي» هو انعكاس لهذا الفرز التاريخي؛ وهو الفرز الذي يغلق طريق العودة أمام أي شكل من أشكال الاستبداد.

تجمع «إيران الحرة» في برلين

في 7 فبراير 2026، تجمع أكثر من مائة ألف إيراني في مدينة برلين، وبعد بضعة أيام نُظمت وقفة مماثلة في ميونيخ. كانت هذه التجمعات تحت شعار «لا لنظام الشاه، ولا لنظام الملالي» تسعى لأن تكون صدى لصوت الشعب الإيراني في الساحة الدولية.

١. عرض التضامن الوطني

كانت إحدى أبرز سمات هذه التجمعات حضور مختلف الشرائح الاجتماعية والمكونات الإيرانية المتنوعة. قدمت هذه التجمعات صورة عن الرابط العميق وغير القابل للانفصام بين الشعب الإيراني ونضالاته الشاملة ضد مختلف أشكال الديكتاتورية؛ وهو رابط يتوسع كل يوم ويتحدى أسس الاستبداد. لم يكن كل إيراني في هذا التجمع مجرد جزء من شعب فحسب، بل كان حاملاً لتاريخ من النضالات الشعبية في جميع أنحاء إيران ضد الأنظمة الديكتاتورية. ولهذا السبب، كان الرابط بين الحراك الشامل والإقليمي وجهاً بارزاً في هذه التجمعات. وهو الرابط الذي يتوسع يوما بعد يوم ليتحدى أسس الاستبداد.

٢. المطلب المشترك للشعب «الحرية»

كان المطلب المشترك للحاضرين هو «الحرية» و«رفض الديكتاتورية». وقد أعلنوا صراحة أنهم لا يقبلون ديكتاتورية الشاه ولا الديكتاتورية الدينية. ومن وجهة نظرهم، فإن إيران ملك للشعب الإيراني، وما سيخلد في التاريخ هو اسم شعب هذه الأرض، وليس الحكومات القمعية.

٣. الثقة بالتنظيم والمقاومة

كانت الحيوية والديناميكية لدى الحاضرين والفرز الواضح مع الأنظمة القمعية وجه التمايز لهذه التجمعات عن العديد من التجمعات السابقة. كان المشاركون يؤمنون بأن النصر في ميدان السياسة هو للإرادات الواعية والمنظمة؛ الإرادات التي تعمق فرز «لا لنظام الشاه، ولا لنظام الملالي» من خلال التوعية، وتؤكد على دور المقاومة وجهاز القيادة الجماعية للانتفاضات.

٤. عامل العنف

أكد المشاركون على مبدأ أن عامل العنف في إيران ليس الشعب، بل هو النظام الديكتاتوري الحاكم. ولا ننسى أن خامنئي، مثل سلفه خميني، قد أصدر الأوامر بارتكاب مجازر ضد مظاهرات الشعب وأغرق عشرات الآلاف من الشباب الإيرانيين في الدماء. ولهذا السبب، حملوا رأس السلطة، أي خامنئي، مسؤولية القمع الدموي وقتل المتظاهرين، مؤمنين بأن دماء الشهداء لم تذهب سدى بل تحولت إلى قوة لاستمرار النضال.

٥. التضامن على جانبي الحدود

كانت هذه التجمعات رمزاً لتضامن الإيرانيين داخل البلاد وخارجها. اعتبر الحاضرون أنفسهم صوت المنتفضين في إيران، وأكدوا على التنظيم والراديكالية السياسية كعامل للانتصار على الاستبداد. وهو موقف واجه رد فعل عنيفاً من التيارات التابعة للحكومة وكذلك المدافعين عن عودة دكتاتورية الشاه. المطلب الرئيسي للشعب هو «الحرية».

التطورات السياسية والآفاق المستقبلية

أظهر القمع الدموي للانتفاضات الأخيرة، خاصة في شهر (يناير/كانون الثاني)، أن الأزمة السياسية في إيران قد دخلت مرحلة حاسمة وخطيرة وملتهبة. إن اتساع نطاق الإعدامات والمواجهات القسرية يعبر عن محاولة السلطة لاحتواء الاستياء العام. ولكن في المقابل، يرى المحتجون في هذا المسار علامة على هشاشة النظام الحاكم.

كان إدراج حرس النظام الإيراني في قائمة الإرهاب بالاتحاد الأوروبي خطوة ضرورية للابتعاد عن سياسة المهادنة، وإن جاءت متأخرة سنوات. لقد أصرت المقاومة الإيرانية وأكدت على ذلك منذ سنوات. والآن يجب الاعتراف بنضال الشعب الإيراني لإسقاط النظام ومعركة شباب الانتفاضة ضد الحرس الإرهابي.

بالإضافة إلى القمع الوحشي لانتفاضة يناير من قبل النظام الديني الحاكم، واجه الشعب الإيراني عاملاً مخرباً آخر؛ «ابن الشاه السابق» الذي تدعمه بعض وسائل الإعلام الرجعية والاستعمارية وتقدمه كـ «بديل» للنظام الديني الحاكم. في حين أن الشعب الإيراني ألقى بنظام الشاه في إيران إلى مزبلة التاريخ إلى الأبد. وقد رأى الجميع على مستوى العالم بوضوح أن البديل يجب أن تكون له جذور داخل إيران، وأن البديل «الافتراضي» وعبر «وسائل التواصل الاجتماعي» يصب في خدمة النظام القمعي الحاكم.

خلاصة أولية

تظهر تحولات السنوات الأخيرة أن المجتمع الإيراني يمر بمرحلة إعادة تعريف لهويته السياسية. وشعار «لا لنظام الشاه، ولا لنظام الملالي» يعبر عن السعي لتجاوز الدورة التاريخية للاستبداد والوصول إلى نموذج قائم على سيادة الشعب. وسواء في شوارع إيران أو في التجمعات خارج البلاد، يظل المطلب المحوري هو «الحرية»؛ وهو المطلب الذي يؤمن الكثير من الإيرانيين بأنه سيشق طريقه في النهاية.

 

***

*کاتب ومحلل سياسي خبير في الشأن الايراني

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…