تقرير اللجنة البرلمانية التركية… بين تسليم السلاح وتصفية المعنى

صلاح عمر

 

في اللحظات المفصلية لا تكون الكلمات عابرة، بل تتحول إلى مؤشرات دقيقة على اتجاه البوصلة السياسية ومقاصدها العميقة. وحين يصدر تقرير عن لجنة برلمانية في تركيا يركّز على مسألتي “تسليم السلاح” و“الدمج”، ويتجنب عمداً تسمية “القضية الكردية”، فإن الأمر لا يُقرأ بوصفه اختصاراً تقنياً أو سهواً إدارياً، بل باعتباره تعبيراً صريحاً عن رؤية تختزل المشكلة في مظاهرها الأمنية، وتتجاوز جذورها السياسية والتاريخية.

فالكلمات في السياسة ليست بريئة، والصمت أحياناً أبلغ من أي خطاب.

حين يُحذف اسم القضية، يُراد حذف معناها.

وحين يُختزل شعب في بندٍ أمني، يُراد اختزال حقوقه في إجراء.

التقرير – كما يُتداول – يفتح الباب لإمكانية الإفراج عن عبدالله أوجلان، لكنه في الوقت ذاته يعيد إنتاج المقاربة ذاتها التي ترى في المسألة الكردية ملفاً أمنياً ينبغي إغلاقه، لا قضية سياسية ينبغي حلّها. هنا تكمن المفارقة: يُطرح العفو كإشارة حسن نية، بينما يُسحب الاعتراف السياسي من تحت أقدام القضية.

القضية الكردية في تركيا لم تكن في يومٍ من الأيام مجرد مسألة سلاح. لم تبدأ ببندقية، ولن تنتهي بتسليمها. إنها قضية اعتراف بالهوية، وبالحقوق الثقافية والسياسية، وبشراكة حقيقية في الوطن. وعندما يُعاد إنتاج المقاربة الأمنية وحدها، فإن الرسالة الضمنية تقول إن المطلوب هو إنهاء النتائج لا معالجة الأسباب، وإدارة الملف لا حلّه.

التركيز على “الدمج” دون تعريف واضح لطبيعته ومعاييره يثير سؤالاً جوهرياً: دمج في ماذا؟ وفي أي إطار دستوري؟ وهل الدمج يعني مساواة كاملة واعترافاً متبادلاً، أم يعني ذوباناً قسرياً تحت سقف إنكارٍ قديم بثوبٍ جديد؟

الدمج دون اعتراف هو امتصاص.

ونزع السلاح دون حلٍّ سياسي هو تأجيلٌ لانفجارٍ آخر.

أما التلميح بالإفراج عن عبدالله أوجلان، دون الاعتراف بشعب، فهو إجراء تكتيكي لا يرقى إلى مستوى التحول التاريخي.

التجارب أثبتت أن أي مسار لا يضع الاعتراف الدستوري بالهوية الكردية، وضمان الحقوق الثقافية والسياسية، وإرساء شراكة عادلة في الحكم المحلي والإدارة، في صلب الحل، سيبقى مساراً ناقصاً مهما بدا واقعياً في توصياته أو محكماً في صياغته. فالقضية ليست تقنية تُحلّ بتوصيات إجرائية، بل سياسية بامتياز، وجذورها ضاربة في عمق قرنٍ كامل من الإنكار والصراع.

التاريخ الكردي يحمل شواهد قاسية على ثمن الغموض وسوء التقدير. بعد الحرب العالمية الأولى، فتحت معاهدة سيفر نافذة أمل، لكنها أُغلقت سريعاً مع تثبيت وقائع جديدة في معاهدة لوزان. يومها، ساد اعتقاد بأن الشراكة الضمنية تكفي، وأن الدولة الجديدة يمكن أن تتسع للجميع دون تثبيتٍ دستوري واضح للحقوق القومية. كانت النتيجة قرناً من الإقصاء والصهر.

ليس الهدف استدعاء الماضي للبكاء عليه، بل لاستنطاق دروسه. فالتاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكنه يعيد أخطاءه إن لم نتعلم. وكل مقاربة تتجاوز الاعتراف الصريح بالهوية الكردية وحقوقها السياسية، وتكتفي بشعارات عامة عن “الوحدة” و“الأخوة”، تخاطر بإعادة إنتاج الحلقة ذاتها.

لا أحد يعترض على السلام، بل إن السلام العادل هو الغاية الأسمى. ولا أحد ينكر أن التحولات الإقليمية والدولية تفرض حسابات جديدة. لكن الواقعية شيء، والتفريط شيء آخر. الواقعية تعني قراءة موازين القوى بعين مفتوحة، لا التنازل عن جوهر الحقوق. تعني البحث عن صيغة تعايش دستورية ديمقراطية، لا القبول بدمجٍ بلا تعريف.

تغييب البعد السياسي للقضية لا يلغي وجودها، بل يؤجل استحقاقها. والاستقرار الحقيقي لا يُبنى على نزع السلاح فحسب، بل على بناء الثقة. والثقة لا تولد إلا من اعترافٍ صريح وشجاع بالحقوق، ومن عقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة والمساواة والشراكة.

الرهان اليوم ليس على إدارة الأزمة، بل على امتلاك شجاعة حلّها من جذورها.

ليس على إغلاق ملف، بل على فتح أفق.

ليس على تسليم سلاح، بل على استعادة معنى.

فالقضية الكردية ليست بنداً في تقرير، ولا ورقة تفاوض عابرة، بل مسار شعبٍ يسعى إلى أن يُعترف به كما هو، لا كما يُراد له أن يكون. وأي سلام لا يقوم على هذا الاعتراف سيبقى مؤقتاً، مهما بدا واعداً في لحظته.

في نهاية المطاف، المسألة ليست تقنية ولا إجرائية. إنها سؤال عدالة.

والعدالة لا تُختزل في الدمج،

بل تُبنى على الاعتراف.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين من تجربتي الشخصية في مجال الكتابة حول الحركة القومية – الوطنية الكردية السورية، حيث تناولت مبكراً مسألة تشخيص أزمة الحركة وسبل حلها، والإحاطة بعواملها الذاتية والموضوعية، وأسبابها الداخلية والخارجية برؤية نقدية، شعرت بلامبالاة إلى حدود تجاهل معظم النخب المثقفة، بل صدر من البعض رفض قاطع لوجود أية أزمة، وأن الحركة بخير، وكل…

أليسا شابلوفسكايا النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود ” أليسا شابلوفسكايا: معهد باريس للدراسات السياسية (حرم لو هافر الجامعي)” ( يبدو أن قراءة هذا المقال صالحة لقرن قادم وأبعد كُرْدياً. المترجم ) جدول المحتويات 1-“تجنيد” السكان الكُرْد كأصل استراتيجي 2- الكُرْد كقوة موازنة للنفوذ الأرمني المتزايد 3-الكُرْد كآخر على هامش الإمبراطورية 4- خاتمة   رغم أن الاهتمام الروسي بالكرد كان عاملاً…

كفاح محمود في الطب، لا يُعد النزيف مرضًا بحد ذاته، لكنه من أخطر مضاعفات الأمراض والإصابات، فالإنسان قد يحتمل الألم، ويقاوم الحمى، ويتعايش مع كثير من العلل، لكنه لا يستطيع أن يعيش طويلًا إذا استمر بالنزف، والأخطر أن بعض أنواع النزيف تكون داخلية، لا تُرى بالعين، ولا يشعر بها المريض إلا بعد أن يفقد جزءًا كبيرًا من قوته، وهذا ما…

د. محمود عباس إن تعمّد جانب من الإعلام السوري والعربي، وفي مقدمته الجزيرة والعربية والحدث، تصغيرَ ما جرى في سري كانيه وعفرين، وما يتكرر من اعتداءات في مناطق أخرى من غربي كوردستان، مقابل تضخيم إسقاط شابين كورديين للعلم السوري وتحويله إلى «الجريمة الكبرى»، يكشف اختلالًا فاضحًا في المعايير. فالعلم يُفترض أن يكون رمزًا لجميع السوريين، لا راية لجماعة تتوهم أن…