الكرد ومنارة الاعتدال: صمام الأمان الحضاري في قلب الشرق

جمال ولو
في مشهد جيوسياسي معقد يعج بالاضطرابات، تبرز الأمة الكردية كنموذج فريد للاعتدال والارتباط بالقيم الإنسانية. ورغم أن الغالبية العظمى من الشعب الكردي تدين بالإسلام، إلا أن علاقتهم بالدين ظلت تاريخياً علاقة روحية سمحة، بعيدة كل البعد عن أدلجة الدين أو تحويله إلى سلاح للتدمير.
أولاً: الحصانة المجتمعية ضد “الإسلام السياسي”
عند تتبع خريطة التنظيمات المتطرفة — بدءاً من الإخوان المسلمين وصولاً إلى القاعدة وجبهة النصرة وداعش — نجد ملاحظة سوسيولوجية لافتة: الغياب شبه الكامل للعنصر الكردي في هيكلية هذه التنظيمات.
* ثقافة التسامح: بنى الكرد مجتمعاً يعلي من شأن القومية والثقافة والتعايش، مما جعل “التربة الكردية” طاردة للفكر السلفي الجهادي والتكفيري.
* الإسلام الصوفي والمدني: غلب على التدين الكردي الطابع الصوفي والقيم الأخلاقية التي تنبذ العنف، مما شكل درعاً واقياً للشباب الكردي من الانزلاق في فخ التنظيمات العابرة للحدود.
* انعدام البيئة الحاضنة: بينما استغلت الجماعات الإرهابية المظالم في مناطق أخرى لتجنيد الآلاف، اختار الكرد توجيه طاقاتهم نحو الحفاظ على هويتهم الوطنية وبناء مؤسسات مدنية.
ثانياً: الكرد وداعش.. معركة بالنيابة عن الإنسانية
لم يكتفِ الكرد برفض التطرف فكرياً، بل كانوا القوة الضاربة الأولى والأساسية التي واجهت تنظيم “داعش” الإرهابي على الأرض. حين انهار الكثيرون، صمدت القوات الكردية (في العراق وسوريا) في كوباني وأربيل وسنجار وغيرها.
* تضحيات جسام: قدم الكرد عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى والمفقودين. لم تكن دماء هؤلاء الشباب والشابات دفاعاً عن القرى الكردية فحسب، بل كانت دفاعاً عن “العالم الحضاري” بأسره.
* تمكين المرأة: في عزّ سواد داعش، قدمت المرأة الكردية (المقاتلة والقيادية) صورة ناصعة للرقي والتحرر، محطمةً القيود التي حاول الإرهابيون فرضها على المنطقة.
ثالثاً: جدار التجاهل الدولي وحق تقرير المصير
بالرغم من هذا السجل المشرف كشريك موثوق للمجتمع الدولي في مكافحة الإرهاب، يبقى السؤال الأخلاقي قائماً: لماذا لا ينصف العالم الكرد؟
يواجه الكرد حالة من “عدم الإنصاف” السياسي من قبل الدول العظمى والأمم المتحدة. فرغم كونهم أمة حية، تمتلك مقومات الدولة والثقافة والجيش المنضبط، إلا أن الحسابات والمصالح الإقليمية لا تزال تعيق حقهم الطبيعي في تقرير المصير، وهو الحق الذي كفلته المواثيق الدولية لكل الشعوب.
خاتمة
إن الكرد اليوم يمثلون واحة من الاستقرار والرقي في منطقة تتقاذفها أمواج التطرف. إنهم الشعب الذي لم يصدّر الإرهاب للعالم، بل صدّر للعالم دروساً في البطولة والتضحية والعيش المشترك. إنصاف الكرد ليس مجرد “رد جميل” لمواقفهم ضد داعش، بل هو ضرورة أخلاقية وسياسية لضمان أمن واستقرار الشرق الأوسط والعالم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين من تجربتي الشخصية في مجال الكتابة حول الحركة القومية – الوطنية الكردية السورية، حيث تناولت مبكراً مسألة تشخيص أزمة الحركة وسبل حلها، والإحاطة بعواملها الذاتية والموضوعية، وأسبابها الداخلية والخارجية برؤية نقدية، شعرت بلامبالاة إلى حدود تجاهل معظم النخب المثقفة، بل صدر من البعض رفض قاطع لوجود أية أزمة، وأن الحركة بخير، وكل…

أليسا شابلوفسكايا النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود ” أليسا شابلوفسكايا: معهد باريس للدراسات السياسية (حرم لو هافر الجامعي)” ( يبدو أن قراءة هذا المقال صالحة لقرن قادم وأبعد كُرْدياً. المترجم ) جدول المحتويات 1-“تجنيد” السكان الكُرْد كأصل استراتيجي 2- الكُرْد كقوة موازنة للنفوذ الأرمني المتزايد 3-الكُرْد كآخر على هامش الإمبراطورية 4- خاتمة   رغم أن الاهتمام الروسي بالكرد كان عاملاً…

كفاح محمود في الطب، لا يُعد النزيف مرضًا بحد ذاته، لكنه من أخطر مضاعفات الأمراض والإصابات، فالإنسان قد يحتمل الألم، ويقاوم الحمى، ويتعايش مع كثير من العلل، لكنه لا يستطيع أن يعيش طويلًا إذا استمر بالنزف، والأخطر أن بعض أنواع النزيف تكون داخلية، لا تُرى بالعين، ولا يشعر بها المريض إلا بعد أن يفقد جزءًا كبيرًا من قوته، وهذا ما…

د. محمود عباس إن تعمّد جانب من الإعلام السوري والعربي، وفي مقدمته الجزيرة والعربية والحدث، تصغيرَ ما جرى في سري كانيه وعفرين، وما يتكرر من اعتداءات في مناطق أخرى من غربي كوردستان، مقابل تضخيم إسقاط شابين كورديين للعلم السوري وتحويله إلى «الجريمة الكبرى»، يكشف اختلالًا فاضحًا في المعايير. فالعلم يُفترض أن يكون رمزًا لجميع السوريين، لا راية لجماعة تتوهم أن…