عدنان بدرالدين
في مقاله المنشور في شبكة الجزيرة الإعلامية، يختار ياسين أقطاي أن يبدأ من سؤال يبدو، للوهلة الأولى، أخلاقيًا خالصًا: هل يمكن للمسلم أن يكون عنصريًا؟
لا خلاف على أن الإسلام، كنصوص وتعاليم، يرفض العصبية العرقية ويرسخ مبدأ المساواة بوصفه قيمة إنسانية في خطابه الأخلاقي. كما لا خلاف على أن ظلمًا تاريخيًا وقع على الكرد في تركيا، وهو أمر يعترف به الكاتب نفسه. غير أن الإشكال لا يكمن في مستوى المبادئ المعلنة، بل في الإطار الذي تُدار داخله القضية.
المسألة الكردية في تركيا ليست نقاشًا لاهوتيا دينيًا حول نقاء الضمير، بل هي قضية سياسية تاريخية تمس أكثر من عشرين مليون كردي يعيشون داخل حدود الدولة التركية الحديثة. إنها قضية تتعلق بالهوية، والتمثيل، والدستور، وبإرث تاريخي تعود جذوره إلى معاهدة سيفر (1920)، التي فتحت مساراً إجرائياً مشروطاً كان يمكن – نظرياً – أن يفضي إلى قيام كيان كردي مستقل، قبل أن يُغلق هذا المسار مع إعادة تشكيل المنطقة في معاهدة لوزان.
حين يُختزل هذا التاريخ المركب في سؤال أخلاقي حول إمكانية وقوع المسلم في العنصرية، يتحول النقاش من مساءلة البنية السياسية إلى امتحان النوايا الفردية. وهذا خلل منهجي واضح.
بين التعميم والسؤال الأعمق
يركز المقال على رفض تعميم الاتهام على “المتدينين” حين يُقال إن الجماعات الإسلامية لزمت الصمت إزاء ما تعرض له الكرد. ولا شك أن التعميم أداة تحليل غير مقبولة.
لكن المشكلة لا تكمن في التعميم بحد ذاته، بل في السؤال الذي يسبقه: هل كانت البنية السياسية والاجتماعية التي رفعت شعار الدين حساسة بالقدر الكافي تجاه المأساة الكردية، خاصة في تسعينيات القرن الماضي، فضلًا عما سبقها من محطات دامية في التاريخ الجمهوري؟
خلال تلك المرحلة، دُمّرت آلاف القرى الكردية، وهُجّر مئات الآلاف من السكان، وانتشرت ظاهرة “الفاعل المجهول”، وسُجلت انتهاكات جسيمة. في مثل هذا السياق، يصبح السؤال مشروعًا: أين كان الصوت الإسلامي التركي المؤثر؟ من هي الشخصيات الدينية البارزة التي وقفت علنًا ضد سياسات الأرض المحروقة؟ ما هي المؤسسات التي تبنت موقفًا واضحًا دفاعًا عن المدنيين؟
الإشارة العامة إلى وجود مجلات أو دوائر فكرية ناقشت المسألة لا تكفي لإثبات وجود تضامن واسع وفاعل. فوجود أصوات نقدية أمر مهم، لكن وزنها يُقاس بحجم تأثيرها وموقعها داخل التيار العام.
القضية الكردية أكبر من الحقوق اللغوية
يُعاد في المقال تقديم المسألة الكردية ضمن إطار توسيع الحقوق الثقافية واللغوية. غير أن اختزال قضية بهذا الحجم في بعض الحقوق اللغوية أو في مفهوم فضفاض مثل “المواطنة المتساوية” لا يعكس عمقها الحقيقي.
قضية بهذا الامتداد الديمغرافي والتاريخي لا تُختزل في مادة اختيارية في التعليم الحكومي أو بث إعلامي محدود. فهي لا تتعلق بإصلاحات ثقافية جزئية، بل بإعادة تعريف العلاقة الدستورية بين الدولة ومكوناتها العرقية والطائفية، عبر اعتراف صريح بالهوية، وآليات تمثيل سياسي فعّالة، وصيغ لامركزية تضمن مشاركة حقيقية في إدارة الشأن العام دون المساس بوحدة الدولة.
المواطنة ليست شعارًا أخلاقيًا يُرفع عند الحاجة، بل هي منظومة قانونية ومؤسساتية واضحة. وحين تغيب الضمانات، يصبح الحديث عن المواطنة المتساوية أقرب إلى وعد أخلاقي غير محصّن.
ازدواجية المعايير ومسألة الاتساق
يبرز هنا سؤال لا يمكن تجاهله. تركيا تعترف بجمهورية شمال قبرص التركية وتدافع عن شرعيتها السياسية، رغم أن عدد سكانها لا يقارن بعدد الكرد في تركيا. في المقابل، يُرفض أي اعتراف قومي دستوري بالشعب الكردي داخل الدولة التركية القائمة.
إذا كان معيار السياسة هو وحدة الدولة، فلماذا يُقبل مبدأ الانفصال في حالة ويُرفض في أخرى؟ وإذا كان معيارها هو حق تقرير المصير، فلماذا يُطبق في سياق ويُعطّل في سياق آخر؟
الحديث هنا ليس عن دعم أو رفض انفصال بعينه، بل عن اتساق المعايير. فعندما تختلف القواعد تبعًا للمصلحة، يفقد الخطاب المبدئي قدرًا ملحوظا من إقناعه.
الإسلام كمبدأ والإسلام كأداة سياسية
من الضروري التمييز بين الإسلام كنص ديني، والإسلاميين كفاعلين سياسيين، والدولة حين تستخدم الخطاب الديني. رفض الإسلام للعنصرية لا يعني أن كل ممارسة سياسية ترفع شعاره ستكون منزهة عن التحيزات القومية.
حين يُطلب من الكردي أن يتجاوز هويته القومية بدعوى أن الإسلام يتجاوز القوميات، بينما تبقى الهوية التركية هي الإطار الثقافي الوحيد للدولة، تبدو الدعوة غير متوازنة. فالتجاوز الحقيقي للقومية يفترض حياد الدولة تجاه جميع الهويات، لا تكريس هوية مهيمنة تحت غطاء أخلاقي.
جوهر الخلاف
القضية ليست في رفع نبرة الصوت، ولا في الدفاع عن سمعة “البيئة المتدينة”. جوهر الخلاف يكمن في سؤال محدد: هل توجد صيغة دستورية واضحة تعترف بالكرد كقومية ذات وجود تاريخي، وتمنحهم ضمانات سياسية مستقرة لا يمكن التراجع عنها بتغير المزاج السياسي؟
إذا كان الجواب إيجابيًا، فليُعرض الإطار الدستوري والمؤسساتي الذي يحمي هذه الحقوق. وإذا كان الجواب سلبيًا، فإن النقاش لا ينبغي أن يبقى في مستوى الطرح الأخلاقي، بل يجب أن ينتقل إلى مستوى البنية السياسية.
رفض العنصرية قيمة دينية نبيلة، لكن العدالة لا تتحقق بالإعلان الأخلاقي وحده. حين يُختزل تاريخ طويل من الصراع والإنكار والتهجير في سؤال حول نقاء النية، يفقد النقاش عمقه الحقيقي.
المسألة الكردية ليست اختبارًا في الإيمان، بل اختبارًا في بناء دولة عادلة.
في الحلقة التالية، سنناقش تجربة حزب العدالة والتنمية نفسها، ونبحث فيما إذا كانت إصلاحاته قد شكلت حلًا بنيويًا دائمًا، أم أنها كانت مرحلة سياسية قابلة للارتداد.
19 شباط / فبراير 2026
يتبع.
…