سيروان حج بركو
من حقّ الفرد أن يختار. أن يكتب كما يشاء، أن يقول ما يريد، أن يظهر أو يختفي، أن يقترب أو يبتعد. هذا حقّ طبيعي قبل أن يكون سياسياً أو قانونياً. ولا يحقّ لأي مجموعة، مهما كانت، أن تصادر هذا الحق بحجة “المصلحة العامة” أو “صورة القضية” أو “سمعة الشعب”.
المجتمع ليس وصياً على أفراده. والقضية ليست قيداً على رقاب الناس. نحن ندافع عن الكرامة كي يعيش الإنسان حراً، لا كي نُعيد إنتاج سلطة جديدة باسم الجماعة.
وهنا يجب أن تُقال حقيقة واضحة: لا يوجد كاتب يمثّل الشعب الكردي، ولا كردستان، ولا أي جماعة بشرية. الكاتب يمثل نفسه فقط. تجربته، رأيه، لغته، مزاجه، وحتى أخطاءه. قد يلتقي مع وجدان الناس أحياناً، وقد يختلف معهم أحياناً أخرى. لكن ذلك لا يمنحه صفة “الناطق الرسمي”، ولا يحمّله عبء تمثيل الملايين.
المشكلة تبدأ عندما نحوّل الفرد إلى شعار. عندما نطالبه أن يكتب وفق قائمة “مسموح وممنوع”. عندما نقيس قيمته بمدى خدمته لصورتنا نحن، لا بمدى صدقه مع نفسه.
نعم، من حق الناس أن ينتقدوا. أن يختلفوا. أن يقولوا إن هذا الموقف يضر أو لا يشبههم. لكن ليس من حقهم أن يمنعوا أو يصادروا أو يحاكموا باسم الجماعة. الفرق كبير بين النقد والوصاية، بين الاختلاف والتخوين.
المشكلة ليست فقط في مواقف الكاتب، بل في طريقته في توظيفها. على امتداد سنوات، بدا وكأنه يتنقّل بين المساحات السياسية بحسب اللحظة: مرة يقترب من هذا الحزب حين يخدمه ذلك، ومرة يغازل الحزب الآخر حين تتغير المعادلة. وحين يحتاج جمهوراً أوسع، يخاطب العرب بلغة تختلف عن تلك التي يخاطب بها الكرد. وحين يقتضي السياق، يستحضر أصوله الدينية ليخاطب الإسلاميين.
هذا التبدّل المستمر لا يُقرأ دائماً بوصفه مرونة فكرية، بل يراه كثيرون براغماتية مفرطة تخدم اسمه وصورته وكتبه قبل أي شيء آخر. وكأن الجمهور، أيّاً كان انتماؤه، يتحول إلى مساحة ترويج، لا إلى شريك في فكرة.
وليست مشكلته أن بعض الكرد ينسون التاريخ سريعاً، أو يمنحون ثقتهم كل مرة كأن الذاكرة تبدأ من جديد. الذاكرة مسؤولية أصحابها، كما أن المواقف مسؤولية من يتخذها.
ومع ذلك، يبقى هذا خياره هو. هو من قرر أن يتحرك بهذه الطريقة، وهو من يتحمل كلفة فقدان الثقة لدى من شعروا أنهم استُخدموا أكثر مما كانوا مُخاطَبين.
الصدمة التي يشعر بها بعض من صدّقه، لا تنفصل عن توقّعات صنعوها هم. حين نرفع شخصاً إلى مرتبة الرمز، ثم يتصرّف وفق طبيعته هو، نشعر بالخيانة. لكن ربما المشكلة لم تكن في “خيانته”، بل في الصورة التي رسمناها له. الكاتب لم يقل إنه يمثلنا جميعاً؛ نحن من منحناه هذا الدور.
ثم إن ما يحدث لا يمكن فصله عن المناخ الأوسع: ساحة مشحونة بالصراع بين أنصار الأحزاب الكردستانية، حيث تُقرأ كل كلمة بوصفها اصطفافاً، ويُحمَّل كل موقف أكثر مما يحتمل. في هذا الجو، يتحول الكاتب إلى راية، ويصبح النقاش أداة تعبئة، ويُستثمر الانقسام سياسياً وحزبياً.
هناك من يستفيد من هذا الاستقطاب، ومن يغذّيه ليستمر جمهوره مشدوداً، ومن يرى في كل صوت مختلف تهديداً لهويته السياسية. وفي المقابل، يدفع الأفراد الثمن: القارئ الذي أعجب ثم صُدم، والمتابع الذي وجد نفسه في معركة لم يخترها.
الحقيقة أبسط من كل ذلك: الكاتب يمثل نفسه. والأحزاب تمثل قواعدها. ولا أحد يملك حق احتكار “الكردية” أو “القضية”.
إذا كنا نريد مجتمعاً قوياً، فعلينا أن نقبل التعدد داخلنا. أن يكون لدينا كتّاب مختلفون، رؤى متباينة، أصوات متعارضة. القضية التي تخاف من كلمة فرد هي قضية هشّة، والمجتمع الذي لا يحتمل رأياً مخالفاً سيعيد إنتاج القمع الذي يدّعي رفضه.
نحن لا نحتاج إلى كاتب يمثل الشعب. نحتاج إلى شعب يحمي حق الكاتب أن يكون نفسه. يحمي حق الفرد في اختياراته، حتى عندما لا تعجبنا.
القضية أكبر من كاتب، والكرامة أكبر من اسم، والنضج يبدأ حين نفرّق بين الإعجاب والتقديس، وبين النقد والتخوين، وبين الدفاع عن قضية وتحويلها إلى محكمة.