كردستان يوسف
ليس المثقف الحقيقي من يحمل شهادة عليا أو يشغل منصباً ثقافياً، بل هو حسب تعبير كل من أنطونيو غرامشي وإدوارد سعيد هو “صاحب الذاكرة غير المتصالحة مع السلطة، القادر على ترجمة معاناة مجتمعه اليومية إلى لغة سياسية وثقافية، وهو طرح للأسئلة المحرجة في أوقات حرجة “، غير أن هذه الصفات النظرية تواجهها في سوريا اليوم معضلة مركبة، فالحالة الكردية مثلها مثل غيرها ضمن مجتمعات محكومة بنظرة الأقلية والأكثرية، والخاضعة للتهميش وللإنكار، ضمن تنوع لغوي وثقافي غير معترف به كخصوصية ضمن تعريفات المواطنة العامة، وبالتالي فالمثقف الكردي مثله مثل سائر المثقفين السوريين يجد نفسه أمام نوعين من المثقفين يتقاطعان ويتجاوران ويتنافسان أحياناً، المثقف الأديب والفنان الذي يحمل هموم الهوية واللغة والجمال بوصفها أدوات مقاومة وجودية، والمثقف السياسي الفكري الذي ينشغل ببناء الخطاب السياسي وتفكيك خطابات الهيمنة وصياغة مشروع وطني بديل.
والعلاقة بين هذين النمطين ليست علاقة تنافر بل تكامل عضوي، فالمثقف الأديب والفنان هو الذي يحفظ للشعب ذاكرته الحية، ويعيد إنتاجها بلغة قادرة على اختراق الوعي الجمعي، بينما يمتلك المثقف السياسي الفكري أدوات التحليل النقدي للمشهد ويصوغ بدائل عملية، وإذا كان المثقف الأديب يطرح الأسئلة الوجودية الكبرى، فإن المثقف السياسي يحول هذه الأسئلة إلى مطالب وبرامج، وهنا تكمن الأهمية التشاركية للمثقفين الكرد في سوريا اليوم، فبناء مرجعية ثقافية موحدة قادرة على التصدي لمهام المرحلة، ويتطلب حواراً خصباً بين هذين القطبين، لا تغليب أحدهما على الآخر.
تأتي هذه المراجعة الذاتية في وقت بدأت الحكومة السورية الانتقالية بفرض ملامحها السياسية منذ بداية هيمنتها على البلاد مع بداية عام 2025 وباتت العلاقة مع الشعب الكردي تتجه صوب عملية دمج شبه شاملة، دمج عسكري، إداري، تعليمي، اقتصادي، وبالتالي دمج مؤسسات الثقافة والأدب والفن، وفي هذا السياق يصبح السؤال الهام كيف يمكن لمشهد ثقافي كردي يضم أكثر من سبعة اتحادات ثقافية أدبية ليست بعيدة عن الاصطفاف السياسي العام أو الحزبي الضيق، والتي نصبت نفسها كأعمدة في بناء الثقافة الكردية دون مصوغ ثقافي حقيقي، والتي تفتقد إلى عقلية مرنة لممارسة الدمج الكلي دون اصطفافات قديمة.
والمفارقة الصارخة أن الوضع السوري العام يدمج اليوم المثقف الثوري بالمثقف الأصولي في حوارات مسؤولة وشاملة ضمن إطار سياسي واحد، بينما يبدو المثقفون الكرد وهم في غالبيتهم العظمى مثقفون تقدميون وطنيون ديمقراطيون علمانيون، لكنهم عاجزين عن دمج صفوفهم رغم أن المسافة القومية أو الوطنية بينهم تكاد تكون معدومة، فإذا كانت السلطة الجديدة قادرة على عقد منصات حوار بين إسلاميين وعلمانيين، فبأي عذر يتذرع مثقفون كرد يشتركون في المرجعية الوطنية الديمقراطية نفسها ليبقوا متفرقين في سبعة اتحادات ثقافية؟ أليست هذه التعددية الاتحادية شكلاً من أشكال التبعية للسلطة عبر الاستمرار في منطق “التفرد التنظيمي” الذي يضعف القوة الوحدوية للمشروع الثقافي الكردي برمته؟
لا يمكن للمثقف الحقيقي أن يكون مبشراً بالسلطة أو ناطقاً باسمها، سواء أكانت سلطة قديمة أم جديدة، سورية أكانت أو كردية.
ومن أخطر ما تواجهه سوريا الانتقالية هو الانشغال بالروايات الكبرى عن الدولة المنشودة على حساب السياسة اليومية الدقيقة، هذا الفخ يهدد المثقف الكردي اليوم كما يهدد غيره، حين ينشغل بـ”كيف سيكون شكل الدولة السورية، وكيف ستكون الحالة الكردية، وشكل الإدارة الكردية ؟” ويتجاهل الأسئلة الملحة، اين يقف المثقف الكردي ، وماهي رؤيته للواقع الحالي، وهل المجتمع يعيش أزمة ثقافية وكيف يمكن تجاوز الأزمة ،وكيف يمكن مجابهة خطابات الكراهية، وخلق مستويات حوار مع مثقفي وأدباء المكونات الأخرى، وكيف نحمي حق الطفل الكردي في التعلم بلغته الأم ؟ كيف نضمن تمثيلاً عادلاً للمثقفين الكرد في المؤسسات الانتقالية؟ كيف نحلل الخطاب السياسي الجديد سواء صدر من دمشق أم من أربيل أم من قامشلو أو قنديل، أو انقرة؟
وكيف يمكن للمثقفين من بناء مرجعية ثقافية قادرة على تهيئة قاعدة متينة لبناء أو تأسيس مرجعية كردية سياسية في المستقبل القريب؟
للإجابة حول مجمل تلك التساؤلات لابد من تحليل المرحلة بسلبياتها قبل ايجابياتها، فسلبيات المرحلة المحتملة عديدة و أولها خطر تحول المثقف الكردي إلى “موظف” لدى السلطة الجديدة، سواء عبر استيعابه في مؤسساتها الثقافية مقابل تفريغ دوره النقدي، أو عبر استقطابه ضمن مشاريع تمويلية مشروطة، ثانيها خطر تفكك المشهد الثقافي الكردي أكثر تحت ضغط “سياسة فرق تسد” التي تمارسها الحكومة الانتقالية عبر التعامل المنفرد مع اتحادات بعينها وتهميش أخرى، وثالثها خطر استبدال خطاب الهيمنة البعثي بخطاب هيمنة جديد يستخدم الدين أو القومية الجامعة كغطاء لإعادة إنتاج الاستبداد.
لكن الإيجابيات المحتملة لا تقل أهمية عن مما سبق،و أولها أن سقوط النظام البعثي أزال العائق الأكبر أمام حرية التعبير، ولو بشكل غير مكتمل، و ثانيها أن حالة السيولة السياسي تتيح فرصة تاريخية لصياغة عقد ثقافي جديد يضمن حقوق المكونات، وثالثها أن تعدد المرجعيات والاتحادات يمكن أن يتحول من نقطة ضعف إلى نقطة قوة إذا ما أُعيد تنظيمه في إطار اتحادي شامل يحافظ عليها من خلال توحيد جهودها، و رابعها أن التحولات السورية القادمة تجبر المثقف الكردي على الخروج من “الشرنقة الضيقة” والانخراط في النقاش الوطني العام، وهذا تطور إيجابي بشرط أن يكون الانخراط نقدياً لا تبعياً.
وهذا التحليل يقودنا إلى التفكير بجدية إلى تأسيس اتحاد ثقافي كردي موحد، فما هي آليات بناء الاتحاد الثقافي الكردي المنشود، وخاصة أن الانتقال من سبعة اتحادات إلى اتحاد واحد جامع ليس قراراً إدارياً يمكن فرضه، بل هو عملية سياسية ثقافية تحتاج إلى آليات واضحة:
أولاً: حوار تمهيدي غير معلن يجمع ممثلين عن الاتحادات السبع بعيداً عن الأضواء والبيانات الصحفية، يركز على نقاط الاتفاق لا الاختلاف. فجميع هذه الاتحادات تؤمن بحقوق الشعب الكردي، وتدافع عن الهوية واللغة، وتتبنى قيماً ديمقراطية تقدمية، وهذا الرصيد المشترك هو الأساس الذي يبنى عليه.
ثانياً: إنتاج مشاريع ثقافية مشتركة فوراً دون انتظار الاتفاق التنظيمي. يمكن نشر بيانات مشتركة، وإقامة منتديات مشتركة، ومهرجانات جامعة لكل الكتاب والمثقفين والأدباء، و إطلاق أنطولوجيا شعرية مشتركة، أو تأسيس منصة رقمية للدراسات الكردية، فالمشاريع المشتركة تخلق الثقة وتجعل الوحدة ممارسة يومية لا شعاراً نظرياً، ويمكن اعتبار الهيئة المشتركة للاتحادات الأدبية بنية انطلاق رغم السلبيات التي تعاني منها الهيئة المشتركة.
ثالثاً: اعتماد نموذج “الفيدرالية الثقافية” داخلياً، فلا يعني الاتحاد الواحد إلغاء خصوصية كل تجمع ثقافي، بل إنشاء مجلس تنسيقي أعلى يتولى الملفات المشتركة (التمثيل الرسمي، الدفاع عن الحقوق، إدارة العلاقة مع الحكومة السورية، التمويل المشترك)، مع ترك الاستقلالية الإدارية والمالية لكل اتحاد في شؤونه الداخلية.
رابعاً: تنويع مصادر التمويل، فالاعتماد على مصدر تمويلي وحيد (سواء كان حكومياً أم حزبياً) يجعل المثقف “رهينة القرار السياسي”، ومن هنا فإن المثقف الكردي يحتاج إلى إنشاء صندوق ثقافي تشاركي مستقل، تساهم فيه المؤسسات الخيرية، وأبناء الجاليات الكردية في المهجر، والمنح الدولية المستقلة، والإيرادات الذاتية من الأنشطة الثقافية ومنشوراتها ومطبوعاتها.
خامساً: إعادة تعريف العلاقة مع السلطة السورية الجديدة بروح “الشراكة النقدية”، فالمثقف الكردي ليس خصماً وجودياً للحكومة الانتقالية، لكنه ليس موظفاً فيها، و المطلوب توثيق تعاون مع وزارة الثقافة فيما يخدم حقوق الكرد (المناهج التعليمية باللغة الكردية، دعم النشر باللغة الكردية، ترميم التراث الثقافي الكردي)، مع الاحتفاظ بحق النقد الكامل لأي إجراء ينتهك الحريات أو يمارس التمييز.
سادساً: بناء جسور مع المثقفين السوريين العرب، فالانكفاء على الذات الكردية هو شكل آخر من أشكال الهيمنة على الذات، فالتحالفات مع المثقفين التقدميين العرب هي الضمانة الحقيقية ضد محاولات تهميش المكون الكردي في سوريا الجديدة.
ليس المثقف الكردي الحقيقي من يبحث عن موقع في هرم السلطة الجديدة، بل من يحتفظ بتلك “الذاكرة غير المتصالحة” التي تحدث عنها إدوارد سعيد كونها ذاكرة لا تنسى عقود التهميش، ولا تسقط حق الشعب الكردي في المواطنة المتساوية والهوية المعترف بها مقابل وعود وهمية أو مناصب شكلية.
فالمثقف الكردي الحقيقي ليس من يكتفي بتأبين النظام السابق، بل من يمتلك الجرأة على نقد الأداء الحكومي هنا والآن، دون انتظار إذن من أحد، وبالأدوات نفسها التي نقد بها نظام الأسد بالأمس، كما أن المثقف الكردي الحقيقي ليس من يظن أن التعدد الاتحادي دليل ديمقراطية، بل من يدرك أن التشرذم في مواجهة سلطة مركزية توحد صفوفها هو انتحار ثقافي جماعي، فالوحدة ليست إلغاء للتنوع، بل هي أعلى مراحل النضج السياسي التي تسمح للتنوع بأن يكون قوة لا ضعفاً.
إن معركة المثقف الكردي اليوم هي معركة مزدوجة الجبهة.. جبهة خارجية مع سلطة انتقالية تميل إلى المركزية والهيمنة، وجبهة داخلية مع إرث من التشظي التنظيمي بات يشكل عبئاً تاريخياً. النجاح في الجبهة الثانية شرط للنجاح في الأولى.
إن الاتحاد الثقافي الكردي المنشود ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لتحقيق الغاية الكبرى التي يمكن ايجازها بهذا الشعار ” مثقف كردي حر في وطن حر لشعب حر”.