الإنذار الأخير: إيران بين الإذعان والحرب

المهندس باسل قس نصر الله

لا تبدو المفاوضات الأميركية – الإيرانية مساراً حقيقياً نحو تسوية، بقدر ما هي تمثيلية سياسية مدروسة، تهدف إلى إيصال طهران إلى أحد خيارين لا ثالث لهما: الاستسلام للشروط الأميركية أو الحرب. فواشنطن، كما خبرناها تاريخياً، لا تذهب إلى الحرب إلا بعد أن تُعدّ الذريعة، وتُلبسها ثوب الضرورة.

وهي لأجل هذا الأمر تستخدم أمرين: اولاّ “الكذب” وثانياً “استخدام الجميع كأدوات”، والتاريخ الأميركي حافل بالأمثلة: من كذبة غزو المكسيك في القرن التاسع عشر، إلى “الصحافة الصفراء” في الحرب الإسبانية – الأميركية، إلى خليج تونكين في فيتنام، وصولاً إلى 11 أيلول وغزو أفغانستان، ثم كذبة أسلحة الدمار الشامل التي تلاها غزو العراق على يد كولن باول في مجلس الأمن.

ولعلّ تجربة الأكراد، كما وثّقتها لجنة PIKE في الكونغرس الأميركي عام ١٩٧٥، تذكّرنا بالاستخدام الثاني حيث دعمت CIA الأكراد ثم بعد اتفاق الجزائر عام ١٩٧٥ بين العراق “صدام حسين” وإيران “الشاه رضا بهلوي” أوقفت دعم الأكراد فانهارت الحركة الكردية وتم قمع وتشريد الآلاف، كما حدث اليوم في سورية عندما أعلن الأميركان أن دور “قوات سورية الديمقراطية” انتهى في محاربة “داعش”، فحدث ما حدث .. مما يرينا بأن واشنطن “لا ترى في الحلفاء سوى أدوات مؤقتة” تُحرّضهم حين تحتاجهم، وتتخلّى عنهم حين تنتهي وظيفتهم.

كان اعتراف “بيل كلينتون” بأن أميركا تحتاج إلى “تهديد آني” لتبرير الضربة الاستباقية، يفضح آلية التفكير الأميركي، حيث لم يكن العراق تهديداً حقيقياً، ومع ذلك دُمّر، لأن القرار سبق الذريعة. واليوم، تُقدَّم لإيران شروط تعلم واشنطن مسبقاً أنها مرفوضة، لتُستخدم لاحقاً كدليل إدانة.

وقد فهم “زبيغنيو بريجنسكي” مبكراً كيف استُثمرت أحداث “11 أيلول” لدفع أميركا إلى حرب واسعة في العالم الإسلامي تحت شعار “الحرب على الإرهاب”، حيث جرى دمج أعداء إسرائيل تلقائياً في خانة أعداء أميركا، وفي مقدمتهم إيران وحلفاؤها.

إن التناقض الجذري بين المشروعين الأميركي والإيراني يجعل الوصول إلى توازن مستقر أمراً شبه مستحيل، وهو ما يفسّر انتقال المواجهة بين العقوبات، والحروب بالوكالة، ثم المفاوضات التي تعود بنا إلى نقطة الصفر. وهنا تستعيد واشنطن منطق رونالد ريغان حين قال إن “الاحترام أهم من المحبة”، فالاحترام في القاموس الأميركي يُنتزع بالقوة إن لزم الأمر، وهو ما يقوم به الرئيس ترامب.

واليوم، تُراقَب إيران وتُختبَر، لا بحثاً عن سلام، بل لتحديد لحظة الانقضاض المناسبة. فالمسألة لم تكن يوماً مفاوضات، بل إدارة طريقٍ محسوب نحو الحرب، إن لم يتحقق الإذعان.

بين الاستسلام والحرب، تقف إيران اليوم تحت المراقبة. تراقب وتفكّر، كما يراقب خصمها الاميركي ويفكّر. لكن الفارق أن أميركا، حين تفكّر، تُعدّ المسرح كاملاً قبل إسدال الستار. أما الآخرون، فغالباً ما يُدفعون إلى الاختيار بين خسارتين: خسارة الكرامة، أو خسارة الدم.

دائماً هناك قصة تُروى، ودماء تُسفك لاحقاً.

اللهم اشهد اني بلّغت

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* يعاني جميع شعوب العالم، بدرجات متفاوتة، من النظام الديني الحاكم في إيران. ولهذا السبب، يطالب الجميع بإسقاط هذا النظام الدكتاتوري وإنهائه. وفي تصريحات حادة وغير مسبوقة، أعلنت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، أن “47 عاماً من التسامح وإفساح المجال لأكبر راعٍ لإرهاب الدولة في العالم قد انتهت”. وفي الوقت نفسه، يجب الاعتراف بحقيقة أن سياسة الاسترضاء…

حواس محمود في 12 مارس اذار 2004 كنت ذاهباً الى الكاتب الكردي السوري ابراهيم زورو الذي كان يعمل في المجمع الحكومي بالقامشلي ، كنت ذاهبا اليه لتنضيد مراجعتي لكتاب الشاعر والكاتب السوري المرحوم ممدوح عدوان والموسوم ب ” حيونة الانسان ” ويا للمفارقة أقول يا للمفارقة لأن ما سيحدث في القامشلي فيما بعد من أحداث لا يبخل كتاب عدوان…

علمنا في مركز عدل لحقوق الإنسان من مصادر مؤكّدة، قيام دورية عسكرية تابعة لقوات «الإدارة الذاتية» بمداهمة منزل أحد أقرباء الشاب جوان سرحان محمود في مدينة قامشلو واعتقاله أمام أنظارها، بعد أيام قليلة من قدومه من المملكة الهولندية. حيث أفادت أسرة جوان سرحان محمود، بـ«أنّه من مواليد 10-1-2000 وكان مقيماً في هولندا مدة ثمانية أعوام، وغادرها في 28 ديسمبر 2024…

كرمت إدارة موقع ولاتـي مه الكاتب والسياسي الكردي ” الأستاذ صلاح بدرالدين”، الرئيس الأسبق لحزب الاتحاد الشعبي الكردي، ورئيس جمعية الصداقة الكردية-العربية، ورئيس رابطة كاوا للثقافة الكردية، وذلك بمناسبة مرور عشرين عاما على تأسيس الموقع. يعد صلاح بدرالدين من أبرز الشخصيات السياسية والفكرية الكردية في سوريا. فقد ولد في 11 آذار عام 1945 في قرية نعمتلي التابعة لقضاء قامشلي، ونشأ…