أزمة رواتب كوردستان: تجويع سياسي وابتزاز معيشي!

كفاح محمود

   ليس أخطر على المجتمعات من تحويل لقمة العيش إلى أداة تفاوض، فحين تُقطع الأرزاق أو تُؤخَّر الرواتب أو تُجمَّد الاستحقاقات، لا نكون أمام إجراءات مالية بقدر ما نكون أمام حصار اقتصادي مُقنَّع: ضغط سياسي بواجهة إدارية، وابتزاز معيشي يُراد به إرباك الناس، وتفكيك ثقتهم، وإشاعة الفوضى من بوابة الحاجة.

  في إقليم كوردستان يبدو المثال صارخًا: رواتب أكثر من مليون موظف، أي ما يعني عمليًا أن معيشة أكثر من ثلاثة ملايين ونصف (كمتوسط عائلي) تُمسَك من عنقها بالتأخير أو المنع أو التعليق، وحين تتحوّل الرواتب إلى “زرّ” بيد السياسة، فالعقاب لا يطال الموظف وحده؛ بل يُصيب السوق كله: يذبل الاستهلاك، تتعطل الديون الصغيرة، تتأخر الإيجارات، وتُدفَع العائلات إلى الاستدانة وبيع ما ادّخرته، ثم يُطلب منها أن تصفّق لخطابات الوحدة والتعايش بينما وحدتها اليومية تُفكَّك في تفاصيل الخبز والدواء وأقساط المدارس.

  ولأن ذاكرة العراق قاسية، فالمقارنة حاضرة بقوة، في التسعينيات، فُرضت عقوبات دولية قاسية على العراق خلّفت كوارث اجتماعية واقتصادية، واضطر مجلس الأمن الدولي إلى ابتكار صيغة “النفط مقابل الغذاء والدواء” لتخفيف الانهيار المعيشي، ويومها عانت كوردستان حصارين مزدوجين: الأول لأنها جزء من العراق المشمول بالعقوبات، والثاني حصار داخلي مطبق من نظام الرئيس صدام حسين الذي أراد أن يُخضع الإقليم بالخنق الاقتصادي بعد أن عجز عن إخضاعه سياسيا، حيث فقّرت الحصارات الناس، لكنها لم تُثني إرادتهم، ولم تُطفئ معنى ما تحقق من استقلال ذاتي ومؤسسات وهوية سياسية.

  غير أن الحاضر يضيف طبقة أشد قسوة: إذ لم يعد الابتزاز المعيشي مجرد نزاع مالي، بل يتغذّى في جوهره من نمو وهيمنة تيارات راديكالية وميليشياوية لا تؤمن فعليًا بالنظام الفيدرالي ولا بروح الديمقراطية، وترى في أي تجربة ناجحة خارج قبضتها تهديدًا ينبغي تقليصه لا شريكًا ينبغي احترامه، لذلك صار الراتب ورقة ضغط، وصارت معيشة الناس جزءًا من معركة كسر الإرادات، لا إدارة الدولة.

  ولم يتوقف الأمر عند تجمي د الرواتب أو تسويفها، بل امتدّ إلى استخدام العنف لتعطيل عجلة الازدهار في الإقليم: استهداف البنى الاقتصادية الحساسة، مثل حقول النفط والغاز والمنافذ الحيوية، وحتى المطارات، برسائل نارية تريد أن تقول للمستثمر وللمواطن معًا:

 “لا أمان هنا… ولا مستقبل خارج طاعتنا”!

  وهكذا يتكامل الابتزاز: خنق للراتب من جهة، وتهديد للاقتصاد من جهة أخرى، بهدف واحد هو إبطاء النمو، وإعادة المجتمع إلى نقطة الإنهاك الدائم، والأشد خطورة أن هذا النمط يضرب الطبقة الوسطى في العمق: الموظف الذي كان يسند الاستقرار الاجتماعي يتحوّل إلى طالب دين دائم، والتاجر الصغير يفقد دورته النقدية، والشباب يدفعهم الإحباط إلى الهجرة أو الارتهان للسوق السوداء، ومع كل شهر تأخير تتقلص قيمة الراتب عمليًا، وتزداد كلفة المعيشة، فتتآكل ثقة المواطن بالدولة وبجدوى السياسة نفسها، وتتحول المؤسسات إلى واجهات عاجزة، فيما تتضخم سلطة من يملك مفاتيح الصرف لا مفاتيح الحل.

  ومع ذلك، فإن دروس الحصار القديم والجديد واحدة:

تجويع الناس لا يصنع دولة، بل ينسفها من الداخل، فالرواتب ليست منّة ولا غنيمة ولا أداة تفاوض، بل حق قانوني وأخلاقي، ومن يطبّع سياسة قطع الأرزاق اليوم، سيحصد غدًا دولة أقل استقرارًا، ومجتمعًا أقل ثقة، وبلدًا تُرهِقه الفوضى أكثر مما تُرهِق خصومه، في بغداد كما في أربيل والسليمانية ودهوك.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…