صحافة المواطن في سوريا: من نافذة على الموت إلى ضرورة الحياة

هجار أمين
كانت الكاميرا في يده ترتجف، ليس من برد دمشق، بل من هول ما يراه، لم يدرس الإعلام، بل كان طالب طب في السنة الثالثة، لكنه في ذلك اليوم، لم يكن طبيباً، ولا حتى مواطناً عادياً، كانت النافذة الوحيدة التي يرى منها العالم ما يحدث في ديرالزور.
هكذا يمكن اختصار آلاف القصص السورية التي تحول فيها الهاتف المحمول إلى سلاح، والمواطن العادي إلى صحفي، والغرفة المقفرة إلى غرفة تحرير، اليوم، وبعد كل هذه السنوات، لم تعد صحافة المواطن في سوريا خياراً أخلاقياً أو تقنياً عابراً، لقد أصبحت ضرورة مهنية وجودية، تختلف حدتها وتفاصيلها بين المواطن السوري في الداخل، والمواطن الكوردي الذي يحمل هموماً مضاعفة: همّ التغطية، وهمّ الهوية.
في بدايات الثورة السورية، واجه السوريون معادلة صعبة، إما أن ينتظروا وصول الصحفيين الأجانب إلى مناطق النار والحصار، أو يحملوا هواتفهم وينقلوا بأنفسهم ما يرون. اختاروا الخيار الثاني.
كما يقول الصحفي السوري عامر، وهو مهندس ميكاترونيكس وجد نفسه صحفياً: “مثل الحرب، لا أظن أن مثل هذه الأمور تتم اختياراً، وإنما يجد الإنسان نفسه ضمنها، وفي بعض الأحيان عندما لا يجد أحداً يقوم بما لا بد منه”
لم يكن هؤلاء المواطنون يمارسون هواية، بل كانوا يكسرون طوقاً أمنياً وإعلامياً محكماً، الطوق لم يكن فقط على الجغرافيا، بل على العقل أيضاً، في مناطق النظام البائد، كان قانون الجريمة المعلوماتية يهدد كل من ينشر “أخباراً كاذبة” – وهي تهمة فضفاضة تكفي لسجن أي ناقل خبر لمدة تصل إلى خمس سنوات بتهمة “النيل من هيبة الدولة” ومع ذلك، استمر الناس في النشر، ليس حباً بالمغامرة، بل لأن عدم النشر كان يعني أن الموتى سيدفنون بلا شهود.
الضرورة المهنية لصحافة المواطن لم تولد من رحم الحرية، بل من رحم الفقر والخوف معاً، الصحفي السوري اليوم، حتى المحترف منهم، لا يستطيع العيش من مهنته، في مناطق النظام السابق، لا يتجاوز راتب الصحفي 20 دولاراً شهرياً، في الشمال السوري، ورغم ارتفاع الدخل النسبي، يبقى الصحفي أسير مهنة “ما بتطعمي خبز”، كما يقول أحد المراسلين من حمص الذي اضطر لفتح مطعم للوجبات السريعة ليؤمن قوت يومه.
هنا برز دور المواطن الصحفي، لم يكن ينتظر عقد عمل، ولا راتباً في نهاية الشهر، كان يبحث عن بديل للصمت، وعن لقمة عيش قد تأتي من منحة هنا أو تغطية صحفية هناك، في هذه البيئة الهشة، تحولت صحافة المواطن من فعل عفوي إلى مهنة اضطرارية، يمارسها الطبيب والمهندس وربّة المنزل، لأن المهنة الأصلية لم تعد تكفي، ولأن الصوت الذي يخرج من الهاتف قد يكون الوحيد المسموع.
إذا كان المواطن السوري بشكل عام يمارس صحافة المواطن لأنه محروم من التغطية، فإن المواطن الكوردي يمارسها لأنه محروم من الظهور أصلاً.
لقرون، عانى الكورد في سوريا من سياسة التعتيم على هويتهم، لم يكن غيابهم عن الإعلام الرسمي مجرد إهمال، بل كان برنامجاً مقصوداً. لذلك، عندما نتحدث عن صحافة المواطن الكوردي، نحن أمام طبقة مغايرة من الضرورة، إنها ضرورة توثيق الحدث، وضرورة توثيق الوجود نفسه.
يقول الصحفي إدوارد: “رغم كل السلبيات التي تشوب الصحافة الكوردية، فهي على الأقل نجحت في تدويل ما يحصل ضمن المناطق الكوردية، في سوريا مثلاً، خاصة في مناطق النزاع المسلح ضد المجموعات المتشددة، وكان الدور الذي لعبته في إيصال ما حصل في مدينة كوباني إلى الرأي العام مثالاً على ذلك” من الذي أوصل صورة كوباني للعالم؟ لم تكن قنوات فضائية كبرى، بل مواطنون كورد حملوا كاميرات هواتهم، وكتبوا بلغتهم الأم أو بالعربية أو الانكليزية، ورفعوا صور الدمار والنصر معاً.
لكن صحافة المواطن الكوردي تواجه تحدياً وجودياً لا يقل خطورة عن التحديات الأمنية وهي هيمنة الأحزاب.
يصف المتابعون المشهد بمرارة: “الإعلام الكوردي الحالي كَثُر فيه غير المتخصصين، وهذا ما جعل من الصحافة مهنة من لا مهنة له، بالإضافة إلى السيطرة المباشرة للأحزاب السياسية والتنظيمات العسكرية على واقع الإعلام” 
هنا تكمن المفارقة، المواطن الكوردي الذي اضطر لأن يصبح صحفياً لينقل معاناة شعبه، يجد نفسه أسيراً لخطاب حزبي ضيق، لا يختلف كثيراً عن الخطاب الرسمي الذي هرب منه، كل وسيلة إعلامية تكاد تكون لسان حال حزب، وكل صحفي يجد نفسه مضطراً للكتابة ضمن “الخط العام” أو يبحث عن منبر آخر في زمن عزت فيه المنابر.
في 16 يناير 2026، صدر مرسوم رئاسي اعتبره البعض تاريخياً، المرسوم رقم 13 لعام 2026 يؤكد أن “المواطنين السوريين الكورد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري” وأن “اللغة الكوردية هي لغة وطنية”، ويلغي آثار إحصاء 1962، ويجعل عيد النوروز عطلة رسمية.
هذا المرسوم، بلا شك، يعيد ترتيب العلاقة بين الدولة السورية والمواطن الكوردي. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل يغير واقع الصحافة الكوردية؟ هل يكفي اعتراف الدولة بالهوية الكوردية لتحرير الإعلام الكوردي من هيمنة الأحزاب وترهل المؤسسات؟ وهل يستطيع المواطن الصحفي الكوردي أن يتحول من ناقل لخطاب حزبي إلى صحفي محترف يخدم مجتمعه بمهنية؟
الرهان اليوم ليس على المراسيم وحدها، بل على قدرة الصحفيين الكورد أنفسهم على اغتنام هذا الفضاء الجديد، كما يقول الدكتور باديني: “تطور الصحافة في جميع المجتمعات يعتمد على التخصص والمهنية وتطوير الكوادر وتنميتها الدائمة وتدريبها، بالاستفادة من المدارس الصحافية العالمية، ونشر ثقافة القراءة والاستماع والمشاهدة بين الجمهور المستهدف” .
صحافة المواطن في سوريا لم تولد من رحم التكنولوجيا، بل من رحم الجروح غير الموثقة، كل صورة التقطها مواطن في حلب أو درعا أو القامشلي كانت بمثابة شهادة ميلاد جديدة لحدث كان مصيره النسيان، أما بالنسبة للمواطن الكوردي، فالصورة كانت أيضاً شهادة ميلاد لهويته التي حاول النظام السابق إلغاءها.
اليوم، وبعد صدور المرسوم الجديد، يقف الإعلام الكوردي عند منعطف حاسم، إما أن يتحرر من عقدة “الخوف” و”التبعية الحزبية” ليتحول إلى صحافة مهنية حقيقية، وإما أن يظل حبيس المنشورات الحزبية الرتيبة التي لا يقرأها إلا أصحابها.
المواطن الصحفي الكوردي، كالمواطن الصحفي السوري، لم يعد ذلك الهواة الذي ينقل الحدث بحماسة البدايات، لقد صقلته سنوات الحرب، وعلّمته أن الكاميرا ليست مجرد أداة، بل هي سلاح، وهي وثيقة، وهي أحياناً بطاقة الهوية الوحيدة التي لا تستطيع الدولة أو الحزب مصادرتها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني مقدمة يشكّل القائد الكوردي مصطفى البارزاني أحد أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية في تاريخي الشرق الأوسط المعاصر. فقد ارتبط اسمه بالحركة التحررية الكوردية طوال ما يقارب نصف قرن من النضال السياسي والعسكري، وكان أحد القادة الذين أسهموا في تحويل القضية الكوردية من انتفاضات قبلية متفرقة إلى حركة قومية منظمة ذات مشروع سياسي واضح. وتكمن أهمية دراسة فكر البارزاني في…

وردنا اليوم خبر مؤلم من أحد المفرج عنهم من سجن علايا، يفيد بأن ابننا ديار مستو قد أُصيب داخل السجن بمرض الربو، نتيجة الأوضاع الصحية والإنسانية المتردية السائدة هناك. وبحسب ما نُقل إلينا، فإنه يعاني من نوبات متكررة من ضيق التنفس، ويضطر إلى استخدام البخاخ بشكل متواصل، وفي بعض الأحيان يُسمح له بالخروج من المهجع لالتقاط أنفاسه عندما تشتد عليه…

الأستاذ وليد جنبلاط المحترم تحية طيبة في الذكرى السنوية لاستشهاد المعلم والقائد الوطني صديق شعبنا الكردي وسائر الشعوب المناضلة من اجل الحرية الراحل كمال جنبلاط . لقد تعاملنا مع الشهيد عن كثب قبل ، وخلال الحرب الاهلية ، وكنا معه ومع قادة العمل الوطني في لبنان من مؤسسي الحركة الوطنية اللبنانية بزعامة تلك القامة العالية ، والعاملين في مختلف مؤسساتها…

د. محمود عباس لم يكن البيان الذي أصدرته وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان مجرد رد إداري على اتهامات أطلقتها وزارة النفط في بغداد، بل كان في جوهره محاولة لوضع النقاش في إطاره الحقيقي، بعيدًا عن السرديات السياسية التي تُصاغ أحيانًا لتغطية أزمات أعمق في بنية العلاقة بين المركز والإقليم. فالقضية المطروحة اليوم ليست مسألة تقنية تتعلق بتصدير النفط…