التحريض والتجييش سلاح خفي يهدد استقرار سوريا وبناء مستقبلها

عزالدين ملا

التحريض والتجييش عبر وسائل التواصل الاجتماعي أصبح أحد أخطر الأسلحة المستخدمة في تفتيت الوحدة الوطنية والثقة بين مكونات المجتمع السوري، حيث أن تبعاته لا يمكن قياسها بدقة، فهي قد تجر المنطقة إلى ما هو أخطر من مجازر الأشرفية وشيخ مقصود.

 إن هؤلاء الذين يروّجون للكراهية والتحريض، غالباً ما يكونون أشخاصاً لا يملكون مصلحة حقيقية في حل الأزمة، بل إن أغلبهم يتخذ من منصات التواصل وسيلة للعبث بمصير بلدهم، حيث يختبئون وراء شاشاتهم وهم جالسون في أوروبا يراقبون ويشجعون على الفتن والعنف من وراء حواسيبهم، بينما هم في الواقع عاطلون عن العمل ويقتاتون على أدوار التجييش والتحريض. هؤلاء لا يسعون إلا لتحقيق مصالح شخصية أو أيديولوجية، ويهدفون إلى أن يقولوا للأوروبيين: لماذا تُرحلوننا وما زال العنف والإرهاب في سوريا؟ دون أن يلتفتوا إلى الأضرار الجسيمة التي قد تترتب على تحريضهم والتي غالباً ما تؤدي إلى زيادة الانقسامات بين الكرد والعرب وتغذية نار الصراع بدلاً من العمل على الاستقرار والأمان.

  في ظل هذه الحالة، فإن من يدعي الصدق في دعواه الوطنية والتاريخية، يجب أن يثبت ذلك من خلال العودة إلى أرض الوطن والمشاركة في بنائه، بدل التنقل بين عواصم أوروبا، والترويج للكراهية والانقسامات. لقد كانت هناك بوادر أمل بعد سقوط نظام الأسد حيث بدأ يتشكل في الأفق مشروع لبناء سوريا جديدة تعتمد على الحرية والكرامة، إلا أن ما يحدث الآن من خلافات وأخذ ورد بين الأطراف السورية خاصة بين السلطة في دمشق وقوات قسد، أجهض تلك الأحلام وفتح أبواب الفتنة على مصراعيها، مما أدى إلى تدهور الوضع إلى ما هو أسوأ وخلق بيئة خصبة للعنف والكراهية التي لا حدود لها. إن إعادة بناء سوريا تتطلب جهوداً حقيقية تتجاوز مجرد إعادة الإعمار المادي إلى إعادة الثقة والتلاحم الاجتماعي الذي تآكل بفعل سنوات من الصراع والتشريد.

مقاومة التطرف والكراهية تتطلب أفعالاً حقيقية على الأرض، وليس مجرد كلمات على منصات التواصل. فالأبطال الحقيقيون هم من يُضحّون من أجل بلدهم، ويقاتلون على الأرض، ويعملون على لم شمل المجتمع، وليس من يعبث بمصير وطنه من وراء شاشات الإنترنت. أما فيما يخص تجييش الكرد والعرب من قبل هؤلاء الذين يقيمون في أوروبا، فإن النتائج ستكون وخيمة، إذ أن الحقد والكراهية الموجهة من الخارج لن تأتي إلا بمزيد من الانقسامات والدمار ولن تنال إلا من هم في الداخل، الذين يعانون أصلاً من ظروف معيشية صعبة وأزمات اقتصادية واجتماعية خانقة.

إن هذه التحركات سواء كانت نية مصلحية أو أيديولوجية تزيد من معاناة السوريين وتعمق جراحهم وتضع مستقبل البلاد بين أيدي غير أمينة، تتصارع على النفوذ والمصالح على حساب وحدة الشعب السوري ومستقبله.

من الضروري أن يدرك السوريون كردا وعربا، أن الأبطال الحقيقيين على وسائل التواصل الاجتماعي وهم قابعون في أوروبا لن ينالهم ما سيناله من حقد وكره وفتنة من هم في الداخل. كما أن كل القوى الإقليمية والدولية تتعامل مع سوريا كقطعة من لوحة الشطرنج، تتقايض وتتنافس على مصالحها، بينما الشعب السوري يُحشر بين مطرقة الأزمات وسندان الخيانات. فالعرب والكرد وكل مكونات المجتمع السوري يجدون أنفسهم أعداءً لبعضهم البعض، في حين أن الأعداء الحقيقيين يستغلون الانقسامات لزيادة نفوذهم على حساب أمن واستقرار سوريا. لذلك، فإن الحل الحقيقي يبدأ من الداخل، من وعي السوريين أنفسهم ومن إدراك أن الوحدة والتضامن هما السبيل الوحيد للخروج من هذا النفق المظلم. إن التناحر والانقسامات لن يُجدي نفعاً وإنما يزيد من معاناة الجميع ويهدد مستقبل الأجيال القادمة.

وفي هذا السياق، فإن العودة إلى اتفاق العاشر من آذار وتشجيع الطرفين على تطبيقه، وإنهاء هذا الملف، هو خطوة أساسية لبدء حياة من الأمان والاستقرار، والعودة إلى ربوع العمل والبناء. كما أن الدفع نحو مفاوضات جادة بين الحركة السياسية الكردية والحكومة السورية، من أجل حقوق الكرد المشروعة في سوريا يمثل خطوة ضرورية لقطع الطريق أمام هؤلاء المتآمرين، سواء كانوا من الكرد أو العرب الذين يجيشون على التحريض والفتنة، أو من الدول التي تتربص للانقضاض على الكرد. إن الحل الحقيقي يكمن في وحدة الصف وفي إدراك أن مصلحة سوريا فوق كل اعتبار، وأن التفرقة ستظل دائماً سلاحاً يستخدمه الأعداء لتدمير ما تبقى من نسيج وطني، يعيشه السوريون بكل مكوناته.

لذلك، فإن معركة مقاومة التطرف والكراهية تتطلب وعياً جماعياً وعملاً حقيقياً من جميع القوى الوطنية، من أجل بناء سوريا التي ينشدها الجميع، سوريا التي تعتمد على الحرية والكرامة وتستطيع أن تتجاوز محنتها، وتعيد بناء مستقبلها على أسس من الوحدة والتضامن الحقيقيين.

 إن معركة الوعي والابتعاد عن الأجندات الخارجية والعمل على تعزيز الثقة بين المكونات، هي السبيل الوحيد لإنقاذ سوريا من أتون الفتن والانقسامات ولترسيخ دولة المواطنة، التي تحمي حقوق الجميع وتضمن مستقبل الأجيال القادمة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني مقدمة يشكّل القائد الكوردي مصطفى البارزاني أحد أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية في تاريخي الشرق الأوسط المعاصر. فقد ارتبط اسمه بالحركة التحررية الكوردية طوال ما يقارب نصف قرن من النضال السياسي والعسكري، وكان أحد القادة الذين أسهموا في تحويل القضية الكوردية من انتفاضات قبلية متفرقة إلى حركة قومية منظمة ذات مشروع سياسي واضح. وتكمن أهمية دراسة فكر البارزاني في…

وردنا اليوم خبر مؤلم من أحد المفرج عنهم من سجن علايا، يفيد بأن ابننا ديار مستو قد أُصيب داخل السجن بمرض الربو، نتيجة الأوضاع الصحية والإنسانية المتردية السائدة هناك. وبحسب ما نُقل إلينا، فإنه يعاني من نوبات متكررة من ضيق التنفس، ويضطر إلى استخدام البخاخ بشكل متواصل، وفي بعض الأحيان يُسمح له بالخروج من المهجع لالتقاط أنفاسه عندما تشتد عليه…

الأستاذ وليد جنبلاط المحترم تحية طيبة في الذكرى السنوية لاستشهاد المعلم والقائد الوطني صديق شعبنا الكردي وسائر الشعوب المناضلة من اجل الحرية الراحل كمال جنبلاط . لقد تعاملنا مع الشهيد عن كثب قبل ، وخلال الحرب الاهلية ، وكنا معه ومع قادة العمل الوطني في لبنان من مؤسسي الحركة الوطنية اللبنانية بزعامة تلك القامة العالية ، والعاملين في مختلف مؤسساتها…

د. محمود عباس لم يكن البيان الذي أصدرته وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان مجرد رد إداري على اتهامات أطلقتها وزارة النفط في بغداد، بل كان في جوهره محاولة لوضع النقاش في إطاره الحقيقي، بعيدًا عن السرديات السياسية التي تُصاغ أحيانًا لتغطية أزمات أعمق في بنية العلاقة بين المركز والإقليم. فالقضية المطروحة اليوم ليست مسألة تقنية تتعلق بتصدير النفط…