روج آفا.. من شرعية الحرب إلى امتحان السلم ومعركة الدستور.

خوشناف سليمان

لم تعد روج آفا مجرد مساحة حكم محلي نشأت في فراغ الحرب السورية. لقد صارت اختبارًا تاريخيًا لفكرة الدولة في المشرق كله.
السؤال اليوم لم يعد.. كيف صمدت روج آفا؟
بل.. كيف ستبقى؟ وبأي ثمن؟ وداخل أي نوع من سوريا؟
منذ 2012. حين انسحبت الدولة السورية من أجزاء واسعة من الشمال الشرقي. لم يملأ الكرد الفراغ بالقوة فقط. بل بمحاولة بناء نظام سياسي مختلف.. مجالس محلية. مشاركة نسائية قيادية. ولغة تتحدث عن التعددية واللامركزية.
لكن هذا المشروع وُلد في قلب حرب إقليمية. تحت ضغط ثلاث قوى متداخلة.. دمشق. أنقرة.  والتدخلات الدولية. بالاضافة الى تنظيم الدولة الاسلامية  / داعش / . ما جعل التجربة محكومة دائمًا بمنطق القوة أكثر من منطق القانون.
لهذا لا يجوز وصف روج آفا بالنجاح المطلق ولا بالفشل المطلق.
هي مشروع يعيش على حافة التاريخ.. بين التحرّر والإكراه. بين الأخلاق والسياسة. و الارهاب وبين ما أُنتزع بالبندقية وما لم يُثبَّت بعد بالدستور.
من الاستبعاد إلى الفاعلية . بثمنٍ باهظ
تاريخ الكرد في سوريا كان تاريخ إقصاء.. إسقاط جنسية. تهميش ثقافي. ومشروع / الحزام العربي / الذي استهدف تفكيك الجغرافيا البشرية الكردية في الحسكة وعامودا ورأس العين.
روج آفا كسرت هذا الإرث حين نقلت الكرد من موقع الضحية إلى موقع الفاعل السياسي.
لكن هذه الفاعلية جاءت بثمن..
الديمقراطية وُلدت تحت ظلّ العسكرة، واللامركزية احتاجت مركزًا عسكريًا صلبًا كي تبقى.
كوباني منحت روج آفا شرعية أخلاقية عالمية. لكنها لم تمنحها شرعية سياسية دائمة . لأن العالم لا يكافئ الشجاعة. بل يكافئ التوازنات.
دمشق.. صراع نموذجين للدولة
ليست المشكلة بين روج آفا ودمشق مشكلة كردية. عربية. بل صراع بين نموذجين..
دولة مركزية دينية ورثت منطق الاستبداد.
ونموذج لا مركزي لم يتحول بعد إلى نص دستوري ملزم.
أي مستقبل مستقر لسوريا يمرّ حتمًا عبر لامركزية حقيقية. لا عبر عودة مركزية شكلية بوجه جديد.
أنقرة: العداء الذي لا يتغيّر
تركيا تعاملت مع روج آفا كقضية تركية داخلية لا سورية.
عمليات / درع الفرات /. و / غصن الزيتون /. و/ نبع السلام / لم تكن أمنية فقط. كانت سياسية لمنع ولادة نموذج كردي ناجح على حدودها.
النتيجة المفارقة.. الضغط التركي جعل روج آفا أكثر عسكرة وأقل مدنية. وأكثر اعتمادًا على الخارج . ما أضعف روح التجربة بدل أن يقويها.
الرئيس مسعود بارزاني.. دعم بلا حدود. وسياسة بلا مغامرات
في اللحظة الأكثر هشاشة. برز الرئيس مسعود بارزاني كعامل توازن لا تصعيد.
قدّم دعمًا سياسيًا ومعنويًا مفتوحًا لكرد روج آفا. ليس بوصفهم ورقة حزبية. بل امتدادًا تاريخيًا للقضية الكردية.
لكن دعمه لم يكن اندفاعًا عسكريًا. بل دعمًا مسؤولًا هدفه حماية الوجود الكردي دون جرّ المنطقة إلى حروب جديدة.
في الوقت نفسه لعب دور وسيط سلمي في الأزمة السورية. رافعًا شعار الحل السياسي لا العسكري. ومدافعًا عن حقوق جميع السوريين لا الكرد وحدهم.
بهذا المعنى. كان بارزاني ضامنًا أخلاقيًا. سياسيًا للحقوق الكردية. لا مهندس مشروع انفصالي . وهو فارق جوهري في قراءة تاريخه.
واشنطن وموسكو.. حماية مشروطة
دعمت واشنطن قوات سوريا الديمقراطية ضد داعش. لكنها لم تعترف سياسيًا بالإدارة الذاتية.
وموسكو استخدمت روج آفا كورقة ضغط ضمن لعبة أكبر.
الدرس الكردي المرّ واضح..
التحالفات العسكرية لا تصنع مستقبلًا دستوريًا.
حدود الفكرة: أين فشلت / أخوّة الشعوب / و/ الأمّة الديمقراطية/؟
هنا العقدة البنيوية للتجربة.
راهن خطاب روج آفا على مفهومين جميلين نظريًا..
أخوّة الشعوب والأمّة الديمقراطية.
لكن الواقع قسا بثلاث حقائق:
المنطقة ما زالت تُدار بمنطق الدول والجيوش لا الأفكار العابرة للحدود.
الحرب تصلّب الهويات بدل أن تذيبها.
النظام الدولي يعترف بالكيانات لا بالمبادئ.
لذلك لم تتحول / أخوّة الشعوب / إلى عقد اجتماعي فعلي. وبقيت شعارًا أخلاقيًا.
أما / الأمّة الديمقراطية / فتعثّرت لأنها افترضت عالمًا ما بعد الدولة في زمنٍ أصبحت فيه الدولة أكثر قسوة.
الخلاصة الصريحة..
روج آفا نجحت أخلاقيًا أكثر مما نجحت سياسيًا.
ثلاثة مسارات للمستقبل
تسوية لا مركزية حقيقية مع دمشق . الأفضل نظريًا. والأصعب عمليًا.
تجميد طويل الأمد . استقرار هشّ تحت تهديد دائم.
تفكيك تدريجي . إن تبدّلت موازين القوة لصالح أنقرة أو عادت مركزية دمشق الصارمة.
النقطة الحاسمة.. الخوف من خسارة المكاسب في السلم.
الخطر الأكبر ليس الهزيمة العسكرية. بل أن يخسر الكرد في السلم ما انتزعوه في الحرب . بهدوء. وبصياغات قانونية. وبلا ضجيج.
الخطر هو التسويات التي..
تقلّص صلاحيات الإدارة الذاتية.
تنزع عنها قوتها السياسية تدريجيًا.
وتستبدل الحقوق الدستورية بوعود عامة بلا ضمانات.
لقد دفع الكرد ثمنًا بشريًا هائلًا لهزيمة داعش. لكن الدم لا يتحول تلقائيًا إلى دستور.
لهذا لم تعد المعركة اليوم ميدانية فقط. إنها معركة دستورية على شكل سوريا المقبلة..
سوريا لا مركزية تعددية . أم دولة مركزية بوجه جديد؟
السؤال التاريخي الذي يواجه روج آفا الآن   ليس.. هل صمدت في الحرب؟
بل.. هل ستنجح في السلم؟
ماذا تعني روج آفا لسوريا؟
روج آفا ليست قضية كردية فقط. إنها امتحان لسوريا كلها.
إذا سقطت التجربة. تسقط معها فكرة التعددية السورية.
وإذا نجحت. قد تولد سوريا مختلفة عن كل ما عرفناه منذ الاستقلال.
روج آفا تقف اليوم على مفترق تاريخي..
ولدت من الألم. كبرت في الحرب. وتصارع الآن من أجل مكانها في السياسة.
السؤال لم يعد.. هل ستبقى روج آفا؟
بل.. بأي صيغة دستورية. وبأي ميزان قوى. ومع أي نوع من سوريا؟
الكرد لن يعودوا إلى الصمت بعد قرن من التهميش.
وسوريا لن تعود إلى ما قبل 2011، شاء من شاء وأبى من أبى.
بهذا المعنى. روج آفا ليست هامشًا على تاريخ سوريا.
إنها أحد فصوله الأكثر حساسية . وربما الأكثر تحديدًا لمستقبلها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…