إبراهيم اليوسف
لكم يصادف أحدنا وهو يتعامل مع الكاذب- لاسيما في هذا الفضاء الافتراضي- بشيءٍ من الشفقة على أحوال من خاضوا غمار الكتابة من باب اكترائها ورخصها في زمن هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، حتى وإن كان يعده نتاج مرض مكتسب في بيئة موبوءة، إذ لم يعد الكذاب مدعاة للسخرية في القرية، أو الشارع، أو المدرسة، أو المؤسسة، كما أن ما بهذا الأنموذج من خلل لم يعد يخصه وحده- كمُبتلى مبتَّل- حيث تظل الفرية حادثةً عابرةً- في الحالات اليومية- لا تتجاوز حدود جعل صاحبها أهزوءة، مسخرة، باعتبارها لا تترك أثرها فيمن حوله، لاسيما في المجال العام، فالمجتمع الصغير يتجاوزها سريعاً ويستعيد المفتري توازنه كأن شيئاً لم يكن، إلى أن يخترع مهزلة تلفيقية أخرى. غير أن المشهد ينقلب رأساً على عقب حين يغادر الكذب حدود السلوك الشخصي/ الضحيوي، ويتحول إلى قافلة أشباه الكتاب في هيئة أداة كتابةٍ وخطابٍ و في زي صناعة رأي، إذ يغدو التلفيق ماكينة أو جهازاً منتجة للسرديات المسمومة، وتتحول الفرية إلى مهنةٍ يتقاضى كثيرون من أصحابها أجراً معنوياً وسياسياً أو مادياً، وهكذا فإن الأمر لا يعود خطأً أخلاقياً عارضاً إنما يصبح منهجاً مقصوداً، عندما تنصهر شخصية الكذاب في شخصية من يؤدي مهمة كتابية أو اجتماعية أو سياسية أو حتى عسكرية.
أجل، تظهر في أبرز أشكالها المفضوحة عندما يدخل الإعلامي أو الكاتب أو من يدّعي البحث إلى ساحة العمل محملاً بكهرباء الضغينة والتلفيقات، بقصد الإساءة، فينسج روايةً من هواء ثم يضع لها أقداماً ويطالبها بالسير بين الناس، أو أجنحة لتحلق، وتنتقل من مكان إلى آخر، كأنها حقيقة، قد يصدقها اثنان: جاهل غبي أو متغاب مغرض. الأسرودة المختلقة. المختلة- هنا- تفقد حيادها وتغدو أداة كراهية وعنف، إذ تُستعمل لتشويه إنسان أو تيار أو شعب، ومن هنا ينفتح الباب على عدوانٍ رمزي أشد أثراً من أي خصومة مباشرة، لأن المتلقي يبتلع الكذبة دون أن يرى اليد التي صنعتها.
ضمن هذا الإطار، تتراكم حالات يصعب على المتابع حصرها، وعدّها، في هذا الفضاء الملوث، إذ ثمة أسماءٌ تتكاثر كالطحلب في عتمة المستنقعات. كل واحدٍ منها يختلق حكايةً: مظلمة- جريمة إلخ، ثم ينسب كل هذا وذاك إلى جهة دولية أو شخصية عامة ليمنح كذبته ثقلاً مصطنعاً. على هذا النحو، تُصنع أحاديث مزوّرة، فيديوهات مزيفة. لقاءات لم تقع. حوارات مختلقة تُنسب إلى قادة لم ينطقوا بها، وحين يتعلق الأمر بشخصيةٍ كرديةٍ وازنة مثل الرئيس مسعود بارزاني يصل الاختلاق حدّ الطفولة السياسية حتى تحت غطاء وجود ” مصدر خرافي” حمل الخبر وأعلم شخصاً أكد اختلاله- في مواقف عدة- من خلال التناقض المكشوف في ما يصدر عنه، في خدمة رسالة غير موثوق بها، لأن الواثق من قضيته لا يلجأ إلى تزوير الحقائق، لاسيما إن لغة- كهذه– لا علاقة لها بالمعرفة البتة، لأنها تنتمي إلى مخزن الغرائز المكبوتة، حيث العصبية تتنفس وحيث العنصرية تتخفى في ثياب أكذوبة أو حتى نكتةٍ تافهة.
يتجه استهداف الرئيس مسعود بارزاني في هذا الإطار المفتعل إلى ما يتجاوز الخلاف السياسي العابر، إذ يتعلق الأمر برمزٍ كرديٍّ-عالمي- اكتسب مكانته من تمثيله لفكرة الاستقرار في الشرق الأوسط كله، وليس في كردستانه المجزأة. اكتسبها من قدرته على ضبط لحظات الانفجار كما حدث في مواجهة حرب الإبادة المخطط لها ليس ضد الكرد بل ضد الكرد والعرب والشركاء، الأمر الذي أفسد على كثيرين رهانات الفوضى، المدمرة، المرتجاة. الترهل الذي يظهر في خطابهم الموتور لا يرتبط بقرارٍ محدد أو موقفٍ ظرفي، إنما يتصل بنفورٍ أعمق من أي تجسيدٍ للوجود الكردي المنظم، حيث يثير لديهم مجرد احتمال قيام” فضاء “كرديٍّ في أي بقعةٍ أو قارةٍ حساسيةً مزمنة تدفعهم إلى التشهير والتحريض. والحال أن من حق هؤلاء المرافعة المنطقية غير التحريضية عن مناطقهم إن اعتقدوا أنها واقعة تحت احتلال*، كما في ريف حلب- ديرالزور- الرقة، لأن مفهوم الاحتلال ذاته قابل للتفكيك والنقاش وفق الوقائع والقانون، غير أن نقل الخصومة إلى خارج تلك الجغرافيا- عبر فجور إعلامي معلوماتي- وتوجيهها ضد كرد إقليم كردستان- بعد كردستان سوريا، يكشف أن المسألة لا تتعلق بمبدأ سيادي بقدر ما تتعلق برفضٍ مسبق لفكرة كردستان أينما وُجدت.
إذ إن من يروّج لهذا الهذيان/ الهستيري لا يسعى إلى نقاشٍ موضوعي، إنما يفتش عن تشويهٍ سهل، لأن الاعتراف بوزن الخصم يتطلب شجاعةً فكريةً لا يملكها. فيختار الطريق الأقصر، أي ضرب السمعة، لأن السمعة حين تتلوث يختلط على الناس ميزان الحكم، وهكذا يربح المفترِي جولةً سريعة ولو خسر احترامه لنفسه.
من هنا تتكشف طبقة تراكمية أخرى من الكذب والنفاق حيث يتخفى الخطاب خلف شعارات كبرى. يعلن صاحبها رفضاً مطلقاً لتعدد الأحزاب الكردية ويهتف ضد رقمٍ- مهول- لا وجود له أصلاً، ثم يكرر عبارته كأنها حقيقة رياضية. الواقع يقول إن الساحة الكردية في سوريا تضم طرفين أساسيين، غير أن النموذج المهووس بالتخويف يحتاج إلى أرقامٍ ضخمة لزرع الرعب. التضخيم يصبح حيلةً دعائية، وحين يسوغ لنفسه هذا الأسلوب ينحدر أكثر فأكثر. وهكذا يتكون نمطٌ بشريٌّ يمكن تسميته الإمعي، منوّم الإرادة، يقبل أية روايةٍ ترمى عليه، فيتلقفها، بعماء، أو يختلقها، ويرميها إلى عميانه.
لا ضير البتة أن يتحدث هذا الأنموذج عن مدينةٍ محررةٍ وهو بعيد عنها آلاف الكيلومترات، يعيش على إعانة مؤسسة رسمية في أوروبا، ثم يكتب خطابات البطولة من غرفةٍ دافئة. المفارقة تضحك وتبكي في آن واحد، إذ لو صدق مع نفسه لشدّ الرحال وشارك أهل مدينته البناء بدل توزيع الاتهامات. الفجوة بين القول والفعل تتسع حتى تصير هاويةً أخلاقية.
اعتماداً على هذا المشهد يتضح أن التصنيفات الأيديولوجية لا تنقذ أحداً. لطالما بات الآن ثمة يساري يتكلم بلهجة العدالة، أو يميني يرفع راية التقاليد، ووسطي يتغنى بالعقل، ثم يلتقون جميعاً مع أي إرهابي- في محطة ما- حين يتعلق الأمر بالعداء للكرد. من حق جميعهم أن تكون فلسطين قضيتهم المقدسة في الخطاب، غير أن الخريطة الكردية على شبر من أرض كردستان تثير لديهم فزعاً يفوق كل تقدير ووصف. المقياس في مثل هذا المقام مزدوج، تماماً، إذ يفتح الباب واسعاً هنا ويغلق هناك. كما أن العدالة تتحول إلى سلعة انتقائية، تمنح حين تخدم المصلحة وتُسحب حين تهدد الامتياز.
إذ تتجاور في هذا المزيج نزعات دينية وشعارات ماركسوية وخطابات عشائرية ونزعة مدنية، غير أن القاسم المشترك واحد، كراهيةٌ متوارثة تتجدد بأقنعة متعددة. يخرج الكلام من أفواههم محملاً بشحنة حقد، ينتقل عبر المنابر وصفحات التواصل كعدوى، فيغدو المجتمع كله مهدداً بتسممٍ بطيء، لطالما أن ثقافة الكراهية أخطر من رصاصة لأنها تعمل بصمت وتعيد تشكيل الوعي.
يفرض التساؤل الجوهري ذاته ومفاده ترى: كيف تتحول الكتابة من قيمة أخلاقية ومسؤولية إلى أداة عفنة موقوتة وموتورة؟ في مثل هذا المقام، لا ننتظر أية إجابة لأنها بادية للعيان إذ يحدث مثل كل هذا بسبب غياب الضمير المهني والأخلاقي والتربوي. الكاتب حين يفقد الإحساس بالضمير والأخلاق لا يرى في القلم إلا عصاً، يلوح بها حيث شاء. كما أن الخبر أو السرد يتحولان مادةً للابتزاز، ليظل التحليل ستاراً لتصفية الحسابات، ناهيك عن أن المبحث يتحول واجهةً لقرارٍ سابق على ” المصداقية”. في مثل هذه الواقع الوبائي تتبدل وظيفة الكتابة، متخلية عن دورها في الكشف، وهي تدخل في مهمة التعمية والتدليس، لتغدو صناعة الأكاذيب ورشةً كاملة التجهيز، فيها من يجمع الشائعات، من يضخمها، من يوزعها، ثم من يدافع عنها باعتبارها رأياً، وهناك من يدفع ومن يستلم حتى وإن كان هذا الكويتب. إذ تكتمل الدورة هنا، وتظل النتيجة مجرد “وعي مزيف” فاسد مشوش لا يميز بين الحقيقة والاختلاق. وحده المجتمع يدفع الثمن مضاعفاً، إذ يفقد الثقة بالكتابة، بل ويفقد القدرة على المهمة بانتظار الحوار.
من هنا، أجد أن ضرورة مواجهة هذا النمط المتردي قيمياً، من خلال الصرامة الأخلاقية، وهو ما يتطلب الجرأةً في تسمية الأشياء بأسمائها، ونبذ كل خبرٍ من دون مصدر، ورفض كل روايةٍ من دون دليل، احتراماً لعقل وشخصية القارئ، لأن الكذب مهما انتفخ يظل هشاً سرعان ما يفقد جدواه، وأن الحقيقة مهما حوصرت تحتفظ بقدرةٍ على الظهور. لهذا كله تبقى الينابيع القادمة من أعالي الجبال صافيةً، لا تؤثر فيها جراثيم الخطاب المريض، وتمضي مياهها نحو السهل ألقاً، من دون أن تعنى بكل هذا الركام المزيف.
*في مثل هذه الحالة يحق للكردي الذي يرى أن الآلة التي تحكمه غير محتلة المجاهرة بأن وطنه محتل، رغم الفرق بين طرف يؤكد أنه سوري- فحسب- وفيه خليط سوري ولا ينادي بالكردية- رغم اختلافنا مع الطرف- وآخر يفرض أنه عربي سوري، ولا يعترف بالآخر إلا ذيلياً تابعاً، وفق ثقافته العنصرية المتآكلة!!