بين الوهم والواقع: من يتحمّل مسؤولية ما جرى للكورد في سوريا؟ لماذا فشل مشروع قسد والادارة الذاتية

أزاد خليل * 

نحن الكورد شعب عاطفي، وحجّتنا دائماً جاهزة: العالم تآمر علينا، أميركا باعتنا، تركيا غدرت بنا. نُعيد هذه العبارات كما لو كانت تفسيراً كاملاً لما حدث. لكن الحقيقة المؤلمة أن هذا الخطاب الاستهلاكي لا يجيب عن السؤال الأهم: أين أخطأنا نحن؟

الولايات المتحدة لم “تشترِنا” حتى “تبيعنا”. قالت بوضوح، ومرات عديدة، إن شراكتها مع قوات سوريا الديمقراطية قائمة حصراً على محاربة تنظيم داعش. لم يكن هناك التزام سياسي بحماية مشروع الإدارة، ولا تعهد استراتيجي طويل الأمد. مع ذلك، قرأ بعض القائمين على الإدارة المشهد بطريقة رومانسية، لا واقعية.

ظنّ البعض أن الحديث عن “عملية سلام” مع تركيا، أو إلقاء حزب العمال الكوردستاني السلاح، سيشكّل ضمانة تلقائية لحماية المنطقة من أي حرب قادمة. واعتُقد أن شعار “أخوة الشعوب” كفيلٌ بتأمين ولاء القبائل العربية. لكن السياسة لا تُدار بالشعارات. ما جرى أثبت أن الولاءات تُبنى على المصالح، وأن الاستخبارات التركية عملت طويلاً على تفكيك البيئة الداخلية، تدريباً وتمويلاً وتجهيزاً لفصائل مثل الحمزات والعمشات وسلطان مراد وما يسمى بالجيش الوطني، وصولاً إلى إعادة تشكيل موازين القوة لمصلحة أنقرة.

في المقابل، لم ينجح مشروع الإدارة في تحويل حضوره الخارجي إلى تحالفات فعلية. لم تُعقد اتفاقيات ملزمة مع الغرب، ولم تُبنَ شبكة أصدقاء حقيقيين في العواصم المؤثرة. انتشرت المكاتب في الخارج، لكن معظمها بقي في إطار الصورة والبروتوكول. وعندما بدأت العمليات العسكرية ضد الكورد، لم يصدر موقف عربي أو أوروبي حاسم يرقى إلى مستوى الحدث. هذه ليست مؤامرة؛ هذه نتيجة ضعف في الأداء الدبلوماسي.

من جهة أخرى، ساد اعتقاد لدى بعض الساسة أن إسرائيل “مُلزمة” بحماية الكورد، وأن على نتنياهو أن يأمر الطائرات بقصف الميليشيات المتقدمة شرق الفرات. لكن الدول لا تتحرك بالعواطف، بل بالمصالح. لا توجد علاقات رسمية أو تحالفات معلنة أو حتى تفاهمات استراتيجية واضحة يمكن البناء عليها. وعندما تواصلت الإدارة مع إسرائيل، جاء ذلك متأخراً وخجولاً، وفي لحظة كانت فيها الحسابات الإقليمية قد رُسمت سلفاً.

الواقع اليوم أن الاتفاق القائم هشّ، والخطر لم ينتهِ. أي حكومة انتقالية يمكن أن تتنصل من التزاماتها تحت ذرائع متعددة، بينها الذريعة التركية الجاهزة دائماً. والسؤال الجوهري ليس ماذا فعل الآخرون بنا، بل ماذا فعلنا نحن بأنفسنا؟

خسرنا مدناً وبلدات وأراضي وثروات. قُتل أبناؤنا، حُرقت جثثهم، نُهبت الممتلكات، اختفى الآلاف، وتعرّض المدنيون لانتهاكات مروعة. مليارات الدولارات أُهدرت من دون مساءلة حقيقية. من يتحمّل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن ذلك؟

المسؤولية تقع أولاً على من أدار هذه المرحلة: القيادات السياسية والعسكرية التي اتخذت القرارات، وقرأت التحولات الإقليمية قراءة خاطئة، وراكمت الأخطاء من دون مراجعة. الاعتذار ليس ضعفاً، بل بداية إصلاح. والمكاشفة ليست فضيحة، بل شرط للإنقاذ.

الحاجة اليوم ليست إلى خطاب تعبوي جديد، بل إلى مؤتمر كوردي وطني على مستوى سوريا، يُعيد تقييم التجربة بموضوعية، ويضع خريطة طريق واضحة: ما هو شكل المشروع السياسي الممكن؟ ما هي التحالفات الواقعية؟ وكيف نحمي شعبنا من دورة جديدة من الدم؟

ما جرى لا يمكن محوه بالشعارات. إما أن نمتلك شجاعة الاعتراف، أو سنبقى نُعيد سردية الضحية فيما تتكرّر الخسارة

 

كاتب وباحث سياسي *

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…