خالد مشعل بين إيران وتركيا: تبدّل الرعاة وثبات الوظيفة

د. محمود عباس

لماذا لم يُغتَل خالد مشعل، في الوقت الذي جرى فيه تصفية جميع قيادات حماس من الصف الأول والثاني والثالث؟

هل كانت إسرائيل، فعلًا، عاجزة عن الوصول إليه؟

إسرائيل التي اغتالت خصومها في قلب طهران، داخل شقق محصّنة ضمن مجمّعات حكومية، ونفّذت عمليات تصفية غير مسبوقة بحق قيادات حزب الله، بجرأة واحتراف جعلا من الاغتيال السياسي أداة سيادية لا تتردد في استخدامها، متى أرادت.

لماذا نجا خالد مشعل وحده؟

ولماذا تم اغتيال قيادات من حماس داخل قطر، الدولة التي يقيم فيها مشعل نفسه، بينما ظلّ هو خارج دائرة الاستهداف طوال هذه السنوات؟

الأكثر إثارة للريبة ليس نجاته فحسب، بل صمته الطويل. غاب صوته، وتلاشى حضوره، ثم عاد فجأة إلى الواجهة الإعلامية، لا بوصفه مدافعًا عن غزة وشعبها المحاصر، بل مهاجمًا لإسرائيل من البوابة السورية تحديدًا.

فلماذا سوريا؟ ولماذا الآن؟

أليس هو أحد الوجوه المؤسسة لحماس؟

أليست هناك روايات موثّقة تقول إن نشأة حماس جاءت في سياق توظيف إسرائيلي مقصود، لضرب المسار السلمي الفلسطيني وتفجير الداخل الفلسطيني من داخله؟

وإن صحّ ذلك، أليس خالد مشعل ابن تلك المرحلة، وأحد صانعيها السياسيين؟

هل يُعاد اليوم إنتاج خالد مشعل لمرحلة جديدة؟

وهل يجري نقل حماس من كونها أداة في المشروع الإيراني، إلى أداة في المشروع التركي، مع تبدّل الرعاة لا تبدّل الوظيفة؟

هل يُحضَّر ليكون واجهة سياسية قادمة، ربما لرئاسة حماس سياسيا أو ربما لقطاع غزة بدون حماس، برعاية وأموال قطرية؟ بعد إنهاك الحركة عسكريًا، من أجل إبقاء الصراع الفلسطيني الداخلي حيًّا، قابلًا للإدارة لا للحسم؟

يظهر خالد مشعل اليوم بلبوس “الإسلام السني المعتدل”، وكأنّه كان دومًا على خصومة مع العلاقة بين حماس وإيران، ليقدّم نفسه بديلًا “مقبولًا” في الإقليم. ومن هنا نفهم دفاعه المستميت عن الحكومة السورية “السنية الانتقالية” من بوابة مهاجمة إسرائيل وإستراتيجيتها في الشرق الأوسط، دفاعًا يتقدّم أحيانًا على أي حديث جدي عن مأساة غزة نفسها.

وهنا تبلغ المفارقة ذروتها:

في ذروة مآسي غزة، ودماء أطفالها، وحصارها الخانق، لا يكاد خطاب مشعل يركّز على حقوقهم، بقدر ما ينشغل بالطعن في قضايا شعوب أخرى، وعلى رأسها الشعب الكوردي.

شعبٌ قضيته أعدل وأعمق وأوسع تاريخيًا، وجغرافياً، وديمغرافيا، وسياسيًا من القضية الفلسطينية، شعبٌ لو حظي بنصف ما حظي به الفلسطينيون من تساهل ديمقراطي نسبي، كما هو الحال داخل إسرائيل، لقبل الشراكة في أوطانٍ ناقصة، بل حتى لقيطة ومحتلّة لجغرافية كوردستان.

حين يُنكر خالد مشعل حق الشعب الكوردي، فهو لا يطعن في قضية الكورد وحدهم، بل ينسف آخر ركائز الحق الأخلاقي للقضية الفلسطينية نفسها.

وخطابه المبطّن لا يستهدف كورد سوريا بقدر ما يسعى إلى إعادة تلميع تاريخه داخل حماس، وتهيئة الطريق لقيادة سياسية منزوعة السلاح، بعد أن تُستنفد وظيفة الحركة عسكريًا.

لقد حُفظت حياة خالد مشعل، إسرائيليًا وبوساطة قطرية، لغاية ما.

واليوم، مع عودته المفاجئة إلى المشهد، يبدو أن ساعة استخدامه قد حانت.

يبقى السؤال الأهم:

هل سيدرك، قبل فوات الأوان، أنه بخطابه هذا لا يخون فقط شعب غزة، بل يطعن حماس ذاتها، الحركة التي نشأت بتوظيف إسرائيلي، جرى تسليحها وتوجيهها إيرانيًا، ثم أُريد لها أن تعود اليوم إلى “الحاضنة السنية” بالطريقة نفسها التي جرى فيها تحريف هيئة تحرير الشام في سوريا، النصرة سابقا، لأداء مهمة دولية، قبل التخلّي عنها؟

وحين أقول لا لتقسيم الحركة الفلسطينية، ولا لتقسيم دولة إسرائيل، فأنا لا أتبنّى هذه الشعارات، بل أضعها مرآةً أمام خطاب خالد مشعل نفسه.

فمن يرفع «لا لتقسيم سوريا» ليطعن بها في الشعب الكوردي ويخوِّن حراكه، عليه أن يقبل بالمنطق ذاته حين يُسقَط على قضيته هو، لا أن يحتكره سلاحًا أخلاقيًا ضد الآخرين فقط.

الوحدة التي تُستخدم لنفي حقوق شعب أصيل ليست وحدة، بل قناع إقصاء.

ومن يدافع عن فلسطين وهو ينكر على الكورد حقهم، لا يحمي قضية، بل يفرّغها من معناها الأخلاقي، ويحوّلها إلى أداة خطابية انتقائية.

وأقولها بوضوح لا لبس فيه، أنا لا أدافع عن قضية فلسطين حين يتصدّرها أمثال خالد مشعل، وقادة لا يترددون في الطعن بالقضية الكوردية كلما سنحت لهم الفرصة، ويعملون على شحن الشعب الفلسطيني ضد الشعب الكوردي وحقوقه، حتى في أعمق لحظات معاناتهم، فيُبعدونهم عن مآسيهم الحقيقية، ويحوّلونهم إلى أدوات في صراع لا يخدمهم ولا ينقذهم.

فالقضية التي تُبنى على إنكار حقوق شعب آخر، تفقد فورًا شرعيتها الأخلاقية، مهما كانت عدالتها التاريخية أو عمق مأساتها.

ومن يهاجم الكورد باسم «وحدة سوريا»، ويستثمر مآسي غزة لتصفية حسابات قومية وسياسية، لا يمثّل شعبًا مظلومًا، بل يجسّد انحراف القيادة عن جوهر العدالة، حين تتحوّل المبادئ إلى شعارات انتقائية، والحقوق إلى أوراق ضغط.

والعدالة، حين تُجزّأ، لا تبقى عدالة؛ تتحوّل من حق إلى أداة، ومن قضية إلى خطاب مصلحي بلا شرف سياسي.

بهذا المعنى، لم يعد الصمت حيادًا، ولم يعد الدفاع الأعمى فضيلة.

فالقضايا لا تُقاس بحجم المأساة وحده، بل بنزاهة من يتحدث باسمها، وبمقدار احترامه لحقوق الآخرين.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

9/2/2026م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أزاد خليل * نحن الكورد شعب عاطفي، وحجّتنا دائماً جاهزة: العالم تآمر علينا، أميركا باعتنا، تركيا غدرت بنا. نُعيد هذه العبارات كما لو كانت تفسيراً كاملاً لما حدث. لكن الحقيقة المؤلمة أن هذا الخطاب الاستهلاكي لا يجيب عن السؤال الأهم: أين أخطأنا نحن؟ الولايات المتحدة لم “تشترِنا” حتى “تبيعنا”. قالت بوضوح، ومرات عديدة، إن شراكتها مع قوات سوريا الديمقراطية…

صلاح بدرالدين بحسب قراءتنا للتطورات الحاصلة على الصعيد الوطني محليا ، وإقليميا ، ودوليا ، وبعد صدور المرسوم – ١٣ – الخاص بالحالة الكردية السورية بتاريخ ( ١٦ – ١ – ٢٠٢٦ ) بمعزل عن أي طرف حزبي ، وبعد سقوط مشروع – قسد – العسكري – الأمني – السياسي ، ومعه مااطلق عليه ( كونفراس الوحدة ) الذي انعقد…

عدنان بدرالدين   تُقرأ “الإبستينية”، في الفضاء الشرقي–الإسلامي، بوصفها لحظة سقوط أخلاقي للغرب ودليلاً على زيف منظومة قِيم قيل إنها كانت تدّعي الفضيلة. جريمة واحدة، شبكة منحرفة، سنوات من الاستباحة، ثم استنتاج جاهز: هذا هو الوجه الحقيقي لمنظومة لم تكن أخلاقية كما زعمت. غير أن هذا الاستنتاج، على متانته العاطفية، يقوم على توصيف خاطئ قبل أن يقوم على نقد. المشكلة…

خالد حسو ليست المأساة أن يُقتل الإنسان فقط، بل أن يُلاحَق حتى بعد موته. فحين تُدمَّر المقابر، لا يُستهدف الحجر وحده، بل تُستهدف الذاكرة والهوية وحق الوجود ذاته. ما تعرّض له كورد الإيزيديون في مدينة عفرين وريفها منذ سيطرة الفصائل المسلحة المدعومة من أنقرة على المنطقة عام 2018 لم يقتصر على التهجير والانتهاكات التي طالت السكان المدنيين، بل امتد –…