خالد حسو
ليست المأساة أن يُقتل الإنسان فقط، بل أن يُلاحَق حتى بعد موته.
فحين تُدمَّر المقابر، لا يُستهدف الحجر وحده، بل تُستهدف الذاكرة والهوية وحق الوجود ذاته.
ما تعرّض له كورد الإيزيديون في مدينة عفرين وريفها منذ سيطرة الفصائل المسلحة المدعومة من أنقرة على المنطقة عام 2018 لم يقتصر على التهجير والانتهاكات التي طالت السكان المدنيين، بل امتد – وفق شهادات محلية وتقارير حقوقية متعددة – إلى استهداف مقابرهم الدينية.
تشير هذه المعطيات إلى أن عدداً من مقابر كورد الإيزيديين في قرى عفرين تعرّضت لعمليات تدمير واسعة، وصلت في بعض القرى إلى إزالة القبور وتسوية أجزاء كبيرة منها بالأرض، بما أدى إلى طمس معالمها بشكل شبه كامل.
في صورةٍ شخصية تحمل وجع الذاكرة، يظهر ابني وابن أختي أثناء مشاركتهما الرمزية في بناء قبور جدهم وجدّتهم، كفعل احترام وارتباط بالأجيال السابقة.
لكن ما يزيد الألم، أن هذه القبور نفسها تعرّضت لاحقًا للتدمير على يد الفصائل المسلحة، محوًا بذلك لمسة اليد البشرية التي حاولت أن تحفظ الذاكرة والكرامة.
المقبرة ليست مجرد مساحة للدفن.
إنها سجلّ وجود.
إنها شاهد تاريخي على أن هذه الجماعة عاشت هنا، وتجذّرت هنا، وارتبطت بهذه الأرض عبر أجيال متعاقبة.
إن تدمير مقابر كورد الإيزيديين لا يمكن قراءته كحادثة تخريب عابرة في زمن نزاع مسلح، بل يحمل دلالات سياسية وثقافية عميقة. فمحو الشواهد المادية لوجود جماعة ما يساهم في إضعاف حضورها الرمزي والتاريخي، ويفتح الباب أمام إعادة تشكيل هوية المكان بعيداً عن جذوره الأصلية.
من منظور القانون الدولي الإنساني، تُعد المواقع الدينية والثقافية من الأعيان التي يجب احترامها وحمايتها أثناء النزاعات المسلحة. كما أن حرية الدين والحقوق الثقافية مكفولة بموجب المواثيق الدولية. وعليه، فإن استهداف مقابر كورد الإيزيديين – إن ثبتت الوقائع الموثقة – يمثل مساساً بالكرامة الإنسانية والهوية الجماعية، وليس مجرد اعتداء مادي على حجر أو أرض.
لقد عانى كورد الإيزيديون عبر تاريخهم من موجات اضطهاد متكررة، وصلت في بعض المراحل إلى مستوى الجرائم الجماعية. وما جرى في عفرين يعيد إلى الواجهة نمطاً خطيراً يمكن توصيفه بـ”التطهير الثقافي”، أي إزالة المعالم والرموز التي تجسد وجود جماعة بعينها في فضائها الجغرافي.
كورد الإيزيديون في قرى عفرين لم يطالبوا إلا بحقوق بديهية:
أن يعيشوا بأمان،
أن يمارسوا معتقدهم بحرية،
وأن تُصان قبور آبائهم وأجدادهم.
لكن حين يُحرم الإنسان من بيته، ثم يُحرم حتى من قبر آمن لأحبّته، تكون المأساة قد بلغت ذروتها.
يمكن تسوية القبور بالأرض،
لكن لا يمكن تسوية الحقيقة.
ويمكن إزالة الشواهد،
لكن لا يمكن اقتلاع الذاكرة من التاريخ.
فالتاريخ قد يُشوَّه … لكنه لا يُلغى …..
Khaled Hasso