كوباني: بين التضحية والإهمال… من يحمي رمز المقاومة؟

صالح بوزان ـ دادالي 

كوباني، المدينة التي تحوّلت إلى رمزٍ عالمي للمقاومة والتصدّي لكل ما يتنافى مع القيم الإنسانية، في مواجهة أعتى تنظيمٍ إرهابي عرفه العصر الحديث، تنظيم ما يُسمّى بـ«الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش).
دفعت كوباني ثمناً باهظاً، قُدِّم فيه المئات من أبنائها وبناتها قرابين للحرية، في سبيل الخلاص من العبودية التي حاولت تلك الجماعات الإرهابية فرضها على أهل المدينة. إلا أنّ تلك الأسطورة تحطّمت على أسوار كوباني، لتغدو القلعة التي حملت اسمها رمزاً للمقاومة والكرامة الإنسانية في العالم أجمع.
ومع سقوط نظام بشار الأسد، وتسلّم هيئة تحرير الشام، بقيادة أبو محمد الجولاني، السلطة في دمشق، ازدادت التحديات التي تواجه كوباني وعموم مناطق روجآفاي كردستان تعقيداً وخطورة. فقد تصاعدت التهديدات من قبل السلطة الجديدة وأنصارها من الجهاديين المتطرفين، ممن كان بعضهم سابقاً في صفوف تنظيم داعش.
تزامن ذلك مع هجوم وحشي وبربري شنّته فصائل جيش سلطة دمشق تحت قيادة ما تسمى بوزارة الدفاع على قوات سوريا الديمقراطية، وارتكاب جرائم وانتهاكات جسيمة بحق الشعب الكردي، وبحق العناصر الكردية ضمن قسد، وسط صمتٍ دولي مخزٍ، وتخلّي التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، عن قوات سوريا الديمقراطية.
وأمام هذا الواقع، ونتيجة التضامن الكردي الواسع في كردستان والعالم، وتدخّل قيادة إقليم كردستان، وعلى رأسها الرئيس مسعود بارزاني شخصياً، تُوّجت الجهود بإبرام اتفاقية ٢٩ يناير ٢٠٢٦، القاضية بدمج قوات قسد والإدارة الذاتية في روجآفاي كردستان ضمن مؤسسات الدولة، مع الاحتفاظ بالخصوصية الكردية، وضمان بعض الامتيازات الخاصة بالشعب الكردي.
إلا أنّ ما نلاحظه بعد دخول الاتفاق حيّز التنفيذ، وتعيين محافظ لمدينة الحسكة، وبدء عمليات الدمج بوتيرة متسارعة، إضافةً إلى دخول عناصر الأمن العام التابع لسلطة دمشق إلى مطار قامشلو، أنّ مدينة كوباني ما تزال محاصَرة من الجهات الأربع.
انقطاعٌ كامل للكهرباء والمياه، شحٌّ في الأدوية، غيابٌ لحليب الأطفال، وتدهورٌ حاد في مختلف مقومات الحياة.
كما جرى الحديث عن تشكيل لجنة للمصالحة الاجتماعية بين الكرد والعرب، ولا سيما في القرى الغربية والجنوبية لكوباني. إلا أنّ ما شهدناه على أرض الواقع لا يمتّ إلى المصالحة الاجتماعية بصلة، بل بدا وكأنه تمثيلية مُعدّة مسبقاً من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، مع تجهيز عدد من الشخصيات لأداء دور «الكومبارس».
وقد جرى تهميش ممثلي الأحزاب والشخصيات الحقيقية الممثلة للقرى الكردية المجاورة للقرى العربية، في حين حضر ممثلون عن جميع القرى العربية. كما أنّ الوفد الذي زار حلب هو نفسه الذي ادّعى تمثيل «اللجنة الاجتماعية».
وبالتحري والمتابعة، يتبيّن أنّ كوباني تُعامَل معاملةً خاصة من قبل مختلف الأطراف، ولا سيما من قبل إدارة المدينة نفسها. فبحسب المعطيات، فإنّ انقطاع الكهرباء سببه منع الإدارة وصول التيار الكهربائي، وكذلك الأمر بالنسبة للإنترنت، حيث يُمنع إدخاله إلى المدينة بقرارات من المسؤولين.
أما المساعدات الإنسانية التي وصلت إلى كوباني، فقد جرى تخزين معظمها في المستودعات، في وقتٍ كان فيه الأهالي يفترشون الشوارع وهم بأمسّ الحاجة إليها.
كما تشهد المدينة أزمة محروقات خانقة، إذ قُطع تزويدها بالمحروقات، في حين يُباع برميل المازوت بسعر يتجاوز 250 دولاراً، ناهيك عن بيع الكالونات في الشوارع بأسعار باهظة.
والسؤال المشروع هنا: أليس هذا المازوت خارجاً من المحطات المتواجدة في كوباني نفسها؟!
من المسؤول عن هذا الفساد، وعن كل ما يجري – وما قد يجري – في كوباني مستقبلاً؟
إنّ من تصدّر المشهد في المدينة هم في غالبيتهم من الطبقة الفاسدة، التي كانت ولا تزال كالسيف المسلّط على رقاب الشعب.
في الوقت الذي كانت فيه، وما تزال، الأحزاب السياسية الأخرى في كوباني تتقاعس عن أداء دورها، وتقف موقف المتفرّج إزاء ما شهدته الساحة السورية عموماً وكوباني على وجه الخصوص، وكأنّ ما جرى وما يجري لا يعنيها، فقد اختارت الحياد السلبي والانسحاب من مسؤولياتها الوطنية، رغم امتلاكها قاعدة شعبية وطاقات شبابية فاعلة كان من شأنها إحداث تغيير حقيقي في المعادلة السياسية في المنطقة.
والأخطر من ذلك، أنّ هذا الموقف المتخاذل يأتي على الرغم من سجلّها السابق ودورها المحوري في الحفاظ على السلم الأهلي والاجتماعي، كما جرى عام 2013، ما يطرح تساؤلات جدّية حول أسباب هذا الغياب المتعمّد في مرحلة مصيرية وحسّاسة.
اليوم، بعد كل ما ضحّى به أهل كوباني من دماء ودمار في سبيل مدينتهم، تُترك كوباني خارج الحسابات السياسية والأمنية لما يجري في روجآفاي كردستان، في تجاهل فاضح لدورها وتضحياتها.
إنّ هذا الواقع يفرض على الشعب أن يقف بحزم في وجه كل من يتلاعب بمصير مدينة صُنعت بدماء أبنائها لتصبح رمزاً للإنسانية، وأن يقول كلمته الصريحة في وجه كل فاسد وكل من يتاجر بدماء الشهداء.

هولير ٩ / ٢ / ٢٠٢٦

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…