عدنان بدرالدين
تُفهم محادثات مسقط، كما تُفهم الضغوط والتهديدات التي سبقتها، ضمن سياق أوسع من مجرد السعي إلى اتفاق أو التحضير لمواجهة. فهي أقرب إلى محاولة دائمة لضبط التوتر، وتنظيم الصراع، ومنع خروجه عن حدود يمكن التحكم بها. في هذا النوع من المسارات، لا تكون الدبلوماسية بديلًا عن التصعيد، بل إحدى أدواته، تُستخدم لتخفيف حدّته حينًا، ولإبقائه تحت السيطرة حينًا آخر.
ينطلق هذا المقال من فكرة قد تبدو بسيطة، لكنها تقود إلى نتائج غير مريحة: الضغط الخارجي، حين لا يرافقه أفق سياسي واضح في الداخل، لا يفتح طريقًا للتغيير، بل كثيرًا ما يساهم في إعادة ترتيب شروط بقاء النظام القائم. فالنظام الذي لا يستمد وجوده من رضا المجتمع لا ينهار تلقائيًا حين يغضب الناس، ولا حين يتعرّض لضربة خارجية. معيار بقائه مختلف: قدرته على الإمساك بالمجال العام، ومنع تبلور بديل سياسي منظم، والحفاظ على حدّ أدنى من السيطرة.
في هذا السياق، لا تعمل الضربة العسكرية، مهما بدت قوية أو رمزية، كعامل كسر حاسم، بل كحدث يعيد ترتيب الأولويات. فهي تمنح السلطة فرصة لتقديم نفسها بوصفها في حالة دفاع، وتدفع المجتمع إلى تأجيل الأسئلة السياسية لصالح القلق على الاستقرار و”البقاء”. في لحظات كهذه، لا يُقاس النظام بمدى عدالته أو فشله، بل بقدرته على إقناع الناس بأن البديل قد يكون أسوأ.
تتحول المواجهة الخارجية هنا إلى عنصر يُعاد توظيفه داخليًا. الخوف الذي كان موجّهًا نحو السلطة وأدواتها يُعاد توجيهه نحو الخارج، أو نحو سيناريوهات انهيار وفوضى. ومع هذا التحول، تتقلص مساحة الاعتراض، لا فقط بسبب القمع، بل لأن كلفة الاعتراض نفسها ترتفع. كل نقد يُدفع إلى خانة “التوقيت الخاطئ”، وكل معارضة تُوضَع تحت ضغط السؤال: أهذا وقت الخلاف أم وقت الصمود؟
في المقابل، لا يبدو أن القوى الخارجية تسعى فعليًا إلى كسر هذه المعادلة. فالتعامل مع إيران لا تحكمه الرغبة في إنهاء النظام بقدر ما تحكمه حسابات إدارة المخاطر. النظام الحالي، بحدّته الأيديولوجية وخطابه المعروف، يشكّل خصمًا يمكن توقّع سلوكه والتعامل معه ضمن أطر مألوفة. أما احتمال تحوّله إلى صيغة أقل حدّة وأكثر مرونة، فيطرح أسئلة مربكة، لأنه يغيّر الصورة التي بُنيت عليها سياسات طويلة من الضغط والعزل.
لهذا، تميل السياسات العملية إلى الإبقاء على إيران في وضع وسط: دولة تحت الضغط، تعاني اقتصاديًا، لكنها متماسكة بما يكفي لمنع الانهيار. في هذا الوضع، يُستخدم التهديد بالقوة كوسيلة للضغط والتذكير بالحدود، لا كخطوة أخيرة نحو تغيير جذري. الهدف ليس إسقاط النظام، بل إبقاء سلوكه ضمن إطار يمكن ضبطه.
ضمن هذه المعادلة، تؤدي محادثات مسقط دورًا محددًا. فهي ليست بوابة لحل شامل، ولا مجرد مناورة شكلية، بل قناة تُستخدم لتفادي سوء التقدير في لحظة حساسة. هناك تُقال الرسائل بوضوح أكبر، وتُرسم حدود غير معلنة لما يمكن لكل طرف أن يفعله أو لا يفعله. نجاح هذه اللقاءات لا يظهر في نتائج ملموسة، بل في قدرتها على منع الأسوأ: تصعيد واسع، أو انهيار يفتح فراغًا لا أحد مستعدًا لتحمّل تبعاته.
بهذا المعنى، لا تُدار أزمة إيران لأنها بلا حل فقط، بل لأنها، في صيغتها الحالية، أقل كلفة من بدائل مجهولة. ما دام الداخل بلا مشروع سياسي جامع قادر على تحويل الغضب إلى مسار تغييري، وما دام الخارج يرى في الاستقرار القابل للضبط خيارًا أكثر أمانا من القفز في المجهول، ستبقى أدوات الضغط تُستخدم لإحداث الألم دون إحداث التحول، ولتنظيم الصراع دون حسمه.
الضغط الخارجي لا يُسقط نظامًا بلا بديل داخلي، بل كثيرًا ما يمنحه وقتًا إضافيًا ليُحكم قبضته باسم الخطر.
ولهذا تُدار أزمة إيران ولا تُحسم، لأن خصمًا مزعجًا يمكن التحكم به أقل كلفة من فراغ لا يعرف أحد كيف يُملأ.
7 شباط 2026