الكرد في سوريا: من انتظار الحلفاء إلى صناعة السياسة

شادي حاجي 
لم يكن تحذير جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأميركي السابق، للكرد في سوريا مجرّد رأي شخصي، بل توصيفاً صريحاً لواقع سياسي قاسٍ:
التحالفات العسكرية لا تتحوّل تلقائياً إلى ضمانات سياسية، ومن يكتفي بدور “الشريك الميداني” قد يجد نفسه وحيداً عند أول تبدّل في المزاج الدولي.
وفي السياق نفسه، يقدّم الدكتور سمير تقي، المؤسس والمدير العام لمركز الشرق للبحوث (ORC)، قراءة نقدية لما جرى في روج آفاي كردستان ، تذهب إلى أن الكارثة لم تكن وليدة لحظتها، بل نتيجة خيارات سياسية وأيديولوجية خاطئة من قبل الإدارة الذاتية وقوات قسد ، تجاهلت حدود القوة العسكرية وأوهام المشاريع العابرة للواقع المحلي ( أخوة الشعوب – الأمة الديمقراطية – الهوية الحرة .. نموذجاً ) .
اليوم، يقف الكرد عند لحظة مفصلية. الوجود الأميركي محدود وقابل للتغيّر، وتركيا تتحرّك بثبات سياسي ودبلوماسي، فيما ما تزال القضية الكردية محصورة في بعدها الأمني، بلا مظلة سياسية دولية واضحة ولا تمثيل فاعل في مسار الحل السوري. ورغم حجم الخسائر، ما زالت هناك نافذة ضيّقة لإعادة التموضع، شرط عدم العودة إلى الخطاب نفسه الذي قاد إلى المأساة.
ثلاث طرق أمام الكرد
الطريق الأول هو الاستمرار في الرهان على واشنطن.
خيار مريح مؤقتاً، لكنه يُبقي الكرد في موقع الانتظار، ويجعل مصيرهم رهناً بتغيّرات خارج إرادتهم.
الطريق الثاني هو التشدد والمواجهة المفتوحة.
مسار يرفع منسوب الخطاب، لكنه يقود إلى عزلة سياسية، ويمنح الخصوم ذرائع إضافية من دون حماية حقيقية.
الطريق الثالث — وهو الأكثر واقعية — يتمثّل في الانتقال من إدارة الأرض إلى صناعة السياسة، عبر مشروع واضح، وقرار مستقل، وحضور دبلوماسي فعّال.
ما الذي تعلّمته روجآفاي كردستان وحركته السياسية الكردية؟
خلاصة التجربة، كما تظهرها التحليلات السياسية، تشير إلى نقاط أساسية:
لا مشروع قابل للحياة من دون قرار محلي مستقل
القوة العسكرية بلا غطاء سياسي تبقى مؤقتة
الشعارات الأيديولوجية غير المرتبطة بالواقع الكردي السوري تزيد الكلفة ولا تحمي الإنجاز
أي عودة إلى النهج السابق تعني فتح الباب أمام خسارة أكبر
العلاقة مع دمشق: واقعية لا تبعية
دمشق، مهما كانت الملاحظات عليها، تبقى طرفاً لا يمكن تجاوزه.
المقاربة الأكثر أماناً تقوم على تفاوض واضح ومكتوب، يضمن شكلاً حقيقياً من اللامركزية، وحقوقاً دستورية، وشراكة ضمن الدولة السورية، لا خارجها.
الخلاصة
اللحظة الراهنة لا تحتمل الانتظار ولا إعادة إنتاج الخطاب القديم.
الرهان الحقيقي ليس على حليف أقوى، بل على موقع سياسي أذكى.
من لا يصنع حضوره دبلوماسياً،
سيُعاد تعريفه من قبل الآخرين.
وإلى مستقبل أفضل.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ديالا علي تعيش الساحة السورية على وقع تغيرات ميدانية سريعة وعميقة، تتراوح بين تحولات في توزيع النفوذ والإدارة إلى تغييرات جوهرية في الواقع السياسي والعسكري. منذ سنوات، كانت هناك تحولات لافتة في إدارة المناطق التي شهدت صراعات معقدة بين مختلف القوى المحلية والدولية. هذه التحولات، التي أُبرمت في إطار اتفاقات سياسية وأمنية، لا تلوح في الأفق أي رؤية واضحة تشرح…

تحية طيبة تابعنا التصريحات الصادرة عنكم بخصوص توجه وفد من المجلس الوطني الكوردي إلى دمشق وما تضمنته من ادعاءات بأن الزيارة تمت دون علم الأطراف الكردية وفي توقيت يضر بوحدة الصف الكوردي وإزاء ذلك نؤكد بوضوح أن هذه الاتهامات عارية عن الصحة ولا تستند إلى الوقائع بل تندرج في إطار التشويش والتضليل السياسي وهي لا تخدم مصلحة شعبنا بقدر ما…

خالد حسو ما جرى في روج آفا لم يكن حدثًا عابرًا، بل كان نتيجة أخطاء سياسية وسوء تقدير للواقع الإقليمي والدولي. لقد كانت الخسائر كبيرة، وكان الدرس قاسيًا. ومع ذلك، ما تزال الفرصة قائمة إذا توفرت إرادة حقيقية لإعادة النظر وتصحيح الاتجاه. لقد أثبتت التجربة السابقة أن التمسك بشعارات أيديولوجية بعيدة عن الأولوية القومية أدى إلى استنزاف بشري وعسكري، وأدخل…

خالد جميل محمد من أهمِّ مَظاهر استدامة الإخفاقِ وتواتره على صعيد الأفراد والمجتمعات والتنظيمات والإدارات والمؤسسات، وعلى صعيد العالم، في أي زمان أو مكان، إشغالُ المتسبِّب في الإخفاق نفْسَه والآخَرين بنتائج ذلك الإخفاق، بقصد تمويه الحقائق، دون القبول بالعودة النقدية الصحيحة والحقيقية والصادقة والجادّة إلى العوامل التي أدت إلى تلك النتيجة، فضلاً عن التنكر لفاعلية تلك العوامل وتأثيراتها وما ينجم…