خالد جميل محمد
من أهمِّ مَظاهر استدامة الإخفاقِ وتواتره على صعيد الأفراد والمجتمعات والتنظيمات والإدارات والمؤسسات، وعلى صعيد العالم، في أي زمان أو مكان، إشغالُ المتسبِّب في الإخفاق نفْسَه والآخَرين بنتائج ذلك الإخفاق، بقصد تمويه الحقائق، دون القبول بالعودة النقدية الصحيحة والحقيقية والصادقة والجادّة إلى العوامل التي أدت إلى تلك النتيجة، فضلاً عن التنكر لفاعلية تلك العوامل وتأثيراتها وما ينجم عنها حتماً.
في أي مؤسسة أو إدارة أو تنظيم، عندما يُقصى الجادّون المبدعون المتمكنون الأوفياء، ويقدَّم المنافقون المدعومون المتسلقون الانتهازيون، وتُنتهَك حقوق ذوي الكفاءات والفكر السَّوِيّ، ويقدَّر ذوو الجهالة والعاهات والتملُّق والوساطات، وعندما تبقى العفيفةُ الشريفة الناجحةُ عاطلةً عن العمل، أو مهمَّشة منبوذة في مكان عملها، وتُقدّم عليها نقيضتُها في الخُلُق والكفاءة، فمِن الحُمق أن يُتوقَّع نجاحُ تلك المؤسسة أو الإدارة او التنظيم، على قاعدة “ما بُني على باطل فهو باطل”، وما أكثرَ الباطلَ العاطلَ عندنا!
وعلى مستوى السلطات والحكومات والدول والإمبراطوريات أيضاً، ربما تتحقق بعض المكاسبِ أو كُبراها في مراحلَ زمنيةٍ ما، لكنْ أثبتت تجاربُ التاريخ وسيرورتُه، أنه من المُحال أن تُكتَب لها الديمومة والاستمرارية أبداً، لأن ما يؤسَّس على مقومات العُهر والدعارة بمختلف أصنافهما ومستوياتهما وأشكالهما ومسمَّياتهما المكشوفةِ والمستترةِ وراء مسميات وظيفية قديرة وراقية، وما يكون جوهرُه فاسداً مدنَّساً مُدَلَّساً، لا بد أن ينهار عاجلاً أو آجلاً، حيث أثبتت مادّيّة قوانين الطبيعة والتاريخ والمجتمع وصوابُ تلك القوانين وصحتُها وعِلميتها وستبقى تثبت أن ما تأسس على العِلل والآفات والأسقام، ويحمل في داخله أسبابَ هلاكه، لا ريب في أن خاتمته ستكون الخرابَ والانهيار، عاجلاً أو آجلاً أيضاً، وفق حتمية التطور المادي لا المثالي الخيالي للتاريخ والمجتمع.
مجتمعات العالم عامة، ومجتمعاتنا الشرقية ومؤسساتنا وتنظيماتنا خاصة، سلّمت زمام مصائرها لمن يقودونها نحو الهاوية، معتمدين قاعدة ترسيخ العُهر الخُلقي والسياسي والمالي والاجتماعي والإداري، في كل مفصل من مفاصل الحياة، حتى صار قانوناً مفروضاً وأمراً واقعاً تعجز العفّة وكل قوانين السلامة والطُّهر عن مقاومة رِجسه ودَنَسه أو ردِّه أو التصدي له أو الكشف عن حقيقته أو التصريح بها. ومن هنا فإن المُدرِك الواعيَ العالِم بهذه الحقائق، لا يُصدَم بالنتائج، لأنه كان يتنبأ بها ويتوقعها من قبلُ ولا يُدهَش بها من بَعدُ. وما نشهدها من إخفاقات ليست سوى نتائج طبيعية لما تأسس على أخطاء تجد من ينافح عنها ويحاول تبريرها وربطها بعوامل خارجية دون الغوص في جوهرها الذاتي العليل.