إبراهيم اليوسف
تعود معرفتي بالمربي والسياسي خليل إبراهيم إلى منتصف السبعينيات من القرن الماضي، عندما كان هو وعدد من المدرسين الكرد قد تخرجوا من الجامعات وبدؤوا بتدريس الطلاب أتذكر منهم: إسماعيل عمر- عبدالباقي خزنوي- خليل إبراهيم- نصر الدين إبراهيم- فوزي درويش- أحمد عبد الرحمن- سليمان سليمان- محمد لطيف. أكثر هؤلاء كانوا في الحركة السياسية الكردية، وإن كان بينهم أحد الشيوعيين. لقد كانت علاقتي بكل هؤلاء مميزة، منهم من كانت علاقاتهم مع عائلتنا، وأبي مميزة كما حالتي الراحلين الشيخ عبد الباقي والراحل إسماعيل عمر- رحمهم الله جميعاً- كما أن الراحل أ. خليل وأ. نصر كانا من المنطقة وعلاقتهما بعائلتنا جد مميزة. وإذا كنت أعتز بكل معلمي، كل من تعلمت منهم منذ الصف الأول الابتدائي، وقد كتبت عنهم جميعاً، مرات عدة، وثمة احتفاء بأسمائهم في كتابي السيروي- ممحاة المسافة- 2016 ومن بينهم المربي أ. خليل إبراهيم.
ثمة محطات كثيرة جعلتني ألتقي بأستاذي خليل إبراهيم أولها ميدان الموقف من الاستبداد والدفاع عن حقوق أبناء شعبنا، ضمن إطار دفاعي عن جميع المظلومين، أية كانت هوياتهم، ناهيك عن اللقاءات المتكررة في المناسبات الاجتماعية باعتبار أن بعض أبناء عمومتي يقيمون في قرية- كرديم- ذاتها، منذ حوالي ثمانين سنة. قرية عائلة أ. خليل وأ. نصر، ولطالما جمعتنا المناسبات الاجتماعية لكلتا العائلتين. وإذا كنت عرفت أن أ. خليل صاحب شخصية كاريزمية فقد كان بحق مدرساً مميزاً، أتذكر أنه كان أستاذنا لمادة العلوم في الصف الأول الثانوي، وثمة موقف لا أنساه، ألا وهو أنه تم نقله بعد أسابيع من تدريسنا إلى أحد الصفوف العليا: الحادي عشر ومن ثم الثاني عشر، ما دعانا، كمجموعة طلاب أن نعترض على قرار المدرسة في توزيع الحصص الدارسية، طالبين عودته، بيد أن الأمر كان قد قرر، ما جعل أ. خليل يؤكد لنا أن بديله أ. سليمان جد مميز، وهو من سيخلفه في التدريس، وسيبدأ عمله عما قريب.
في أكثر من قضية اجتماعية كنت أتابع دور أ. خليل الإيجابي، في حل الإشكالات، إلى جانب عدد من أخيار العائلة الذين أعرفهم عن قرب، بما يميز شخصياتهم، ودورهم كعائلة وطنية حقيقية لأوائلها دور في دعم ثورة الملا مصطفى بارزاني من خلال إيصال المؤونة والسلاح مع عدد من المعروفين، وكثيرون منهم، تجاهلهم التاريخ لأكثر من سبب أن إيراد ذكر هذه الأسماء كان مدعاة للخوف على حيواتهم، أو نتيجة تواضع هؤلاء الذين أدوا أدوارهم، مدفوعين بحرصهم القومي، إضافة إلى أن هناك من كان يعمل لقاء أجر. أسماء الطرفين لما تزل تذكر في مجالس قدامى أبناء المنطقة، وإن بات رعيل تلك المرحلة يرحل واحداً تلو الآخر.
خلال عملي في منظمة الجزيرة للحزب الشيوعي السوري، غدت علاقتي رسمية مع عدد من قيادات الحركة الكردية، على صعيد حضور الأنشطة والفعاليات، وغيرها، وكان أ. خليل أحد هؤلاء، وقد تعمقت العلاقة بعد انتفاضة الثاني عشر من آذار عندما كنت وصديقي أ. بهاء شيخو كمراقبين- فحسب- لا شأن لنا بمبالغ المساعدات المالية التي جمعها وأرسلها الأهل من أوروبا، كما في لجان أخرى. إذ لطالما اجتمعنا في منزل أ. سعود الملا: أ. خليل وبهاء وممثل ” PYD ” وأظنه كان محامياً، وشخص آخر ممثلاً عن حزب الاتحاد الشعبي، ربما كان من الحسكة، وقد نسيت اسمه. كان أ. خليل مع أ. سعود مسؤولين ماليين، كما كنت معهما خلال توزيع المساعدات على الجرحى، وتسديد مصاريف المستشفيات، وبهذه المناسبة فإنني مرة واحدة كنت مع أ. محمد إسماعيل عندما أخذته معي إلى المصرف التجاري كي يستلم بيده حتى الفرنكات، وأوقع أنا، باعتبار المبلغ كان قد جاء باسمي، لاعتبارات معروفة.
التقيت ب أ. خليل هنا في ألمانيا، مرات كثيرة، في المناسبات الاجتماعية. منها أنا وهو وابن أسرتنا وقريبه شبال إبراهيم في هانوفر، وحدث موقف مع أحد طلابي، وكان حاضراً، وكتبت عن ذلك الموقف، في مقال سابق، ولعل آخر مرة التقيته كان في إيسن عندما قال:
كم يبعد بيتك عن الجمعية فقلت له كذا كيلومتر
فقال لا وقت كثيراً عندي هذه المرة لكني سأزورك في مرة مقبلة
لم تنقطع اتصالاتنا الهاتفية، حتى لحظة خروج هاتفه عن الخدمة. أتذكر أني اتصلت به هاتفياً، في آخر مرة، لأطمئن على صحته بعد إعلان مرضه، وحاولت أن أزوره فيما بعد، وجاءني الجواب، في أكثر من مرة:
ظرفه الشخصي غير مناسب
وتم شرح جوانب من وضعه الصحي لي، إلى أن عرفت ذلك بعد إعلان رحيله، من ذويه، مؤنباً نفسي، كيف لم أشدد على أفراد الأسرة والأقرباء لزيارته.
حقيقة خسرت كما غيري برحيل أ. خليل، مناضلاً حقيقياً، عمل بصمت، بيد أن أكثر من عمل معهم خذلوه، لأنه بقي منسياً، لاسيما في سنوات محنته الأخيرة: صحياً وتنظيمياً، وهاهو في انتظار عودته إلى مسقط رأسه- كرديم- الذي تجمع تلتها بينه وراحلي أسرته، وبينها بعض راحلي أسرتي الغاليين، رحمهم الله جميعاً.