الدستور أولًا: كيف تعيد الدولة تعريف المواطنة والتمثيل السياسي والحقوق؟

شادي حاجي
لم يكن تأكيد الرئيس المؤقت أحمد الشرع، خلال لقائه وفداً من المجلس الوطني الكردي، على ضمان حقوق المواطنين الكرد ضمن إطار الدستور وتعزيز مبدأ المواطنة المتساوية، مجرّد رسالة تطمين سياسية عابرة، بل جاء بوصفه إعلاناً واضحاً عن الطريقة التي تريد بها الدولة إدارة ملف التنوّع والحقوق والتمثيل السياسي في المرحلة المقبلة. فالكلمات، وإن بدت هادئة، حملت في مضمونها تحديداً دقيقاً لحدود الاعتراف، ومسؤولية الدولة، وسقف المطالب الممكنة في آنٍ معاً.
الرسالة الأساسية في هذا الخطاب أن الدولة السورية تنظر إلى الكرد بوصفهم مكوّناً أصيلاً من نسيجها الوطني، وأن حقوقهم ليست موضع نزاع من حيث المبدأ. غير أن هذا الاعتراف لا يُطرح بوصفه منحة سياسية ظرفية، بل باعتباره حقاً دستورياً عاماً، محكوماً بإطار المواطنة المتساوية. وفي هذا السياق، بدا اللقاء مع المجلس الوطني الكردي تحديداً ذا دلالة سياسية مضاعفة، إذ اختارت الدولة مخاطبة فاعل سياسي مدني، لا يمتلك سلطة أمر واقع ولا أدوات قسر، بما يعكس رغبة واضحة في فصل ملف الحقوق عن معادلات القوة العسكرية أو الوقائع المفروضة خارج مؤسسات الدولة.
سياسياً، يكتسب هذا اللقاء أهمية خاصة للمجلس الوطني الكردي نفسه. فمجرد الجلوس مع رأس السلطة التنفيذية المؤقتة يمنح المجلس اعترافاً سياسياً مباشراً، ويعيد تثبيته بوصفه ممثلاً سياسياً كردياً يُخاطَب ضمن الإطار الوطني، لا كامتداد لقوة عسكرية ولا كملف أمني. هذا الاعتراف، وإن بقي رمزياً حتى الآن، يفتح للمجلس هامش حركة أوسع، داخلياً وخارجياً، ويمنحه إمكانية البناء على هذا الموقع في أي مسار سياسي أو دستوري لاحق.
في المقابل، لم يكن هذا الانفتاح خالياً من رسم خطوط حمراء واضحة. فربط الحقوق حصراً بالمرجعية الدستورية يعكس رفض الدولة تحويل ملف الحقوق إلى أداة لفرض وقائع سياسية أو ترتيبات موازية لسلطتها. فالدعوة إلى المواطنة المتساوية لا تُطرح هنا كشعار إنشائي، بل كإطار ضابط للعلاقة بين الدولة ومكوّناتها، يمنع الانزلاق نحو مشاريع تتجاوز وحدة الدولة أو تمس سيادتها.
ومن زاوية دستورية وقانونية، يحمل هذا الخطاب بعداً أكثر حساسية. فالتأكيد على المساواة أمام القانون يرسّخ مبدأ رفض التمييز القومي في منح الحقوق، لكنه في الوقت ذاته ينقل العبء من مستوى الاعتراف النظري إلى مستوى التطبيق العملي. وهنا، يصبح اللقاء اختباراً مزدوجاً: اختباراً لجدية الدولة في ترجمة خطابها إلى سياسات ملموسة، واختباراً للمجلس الوطني الكردي في قدرته على تحويل الاعتراف السياسي الرمزي إلى حضور فعلي داخل النقاش الدستوري والمؤسساتي.
اللافت في هذا السياق أن المجلس، بدوره، التزم خطاباً محسوباً، تجنّب فيه طرح مطالب تتجاوز السقف الذي رسمته الدولة، كالفيدرالية أو اللامركزية السياسية أو الضمانات الدولية. هذا الصمت لم يكن عجزاً بقدر ما كان قراءة دقيقة لموازين اللحظة، ورغبة في إبقاء باب الحوار مفتوحاً، ولو على حساب رفع سقف الخطاب. غير أن هذا الخيار، على ما يوفره من مكاسب مرحلية، يضع المجلس أمام تحدٍ داخلي حقيقي، يتمثل في قدرته على الحفاظ على ثقة قاعدته الشعبية دون أن يظهر بمظهر الطرف المفرّط أو المتنازل.
في المحصلة، يقدّم هذا اللقاء معادلة سياسية واضحة: الاعتراف بالتنوّع لا ينفصل عن وحدة الدولة، والحقوق لا تُنتزع خارج الدستور بل تُصان داخله، والتمثيل السياسي المقبول هو ذاك الذي يعمل ضمن مؤسسات الدولة لا على هامشها. أما الامتحان الحقيقي، فلا يكمن في الخطاب ذاته، بل في ما سيليه: هل ستنجح الدولة في تحويل مبدأ المواطنة المتساوية إلى ممارسة قانونية عادلة؟ وهل سيتمكن المجلس الوطني الكردي من استثمار موقعه الجديد بوصفه شريكاً سياسياً لا مجرد شاهد على مرحلة انتقالية؟
يبقى الجواب مرهوناً بقدرة الطرفين على الانتقال من إدارة الرموز إلى بناء السياسات، ومن لغة التطمين إلى آليات التنفيذ، بحيث تصبح المواطنة أساس الانتماء الوحيد، لا عنواناً يُستحضر عند الحاجة، ولا وعداً مؤجلاً إلى أجل غير مسمى.
وإلى مستقبل أفضل.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

في نهاية اللقاء السابع بعد المائة للهيئة المرحلية، صرحت المتحدثة باسمها بما يلي: اولا – نتقدم بالتهاني لشعبنا الكردي في عيده القومي نوروز ولكل السوريين، وللرئيس الانتقالي الذي اصدر مرسوم اعتبار نوروز عيدا وطنيا، وفي الوقت الذي شاركنا فيه شعبنا فرحته في كل المناطق وفي العاصمة دمشق، نحذر في الوقت ذاته محاولات حزبنة نوروز واستثماره لاغراض حزبوية سياسية فئوية بالداخل…

صبري رسول تحاول البشرية التّخلص من الاستبداد والدكتاتوريات وعبادة الفرد، التي كانت من إرث الأساطير والمعجزات والأديان، ويؤكّد التاريخ أن الدكتاتوريات تنتهي بالكوارث، وتجلب الويلات لشعوبها ولبلادها، والأمثلة كثيرة، يعرفها السّاسة وعامة النّاس، وحتى السّطحيون يعرفونها. لكن ما الذي يدفع بعضاً من الرّهط الكردي المؤدلج إلى اللهاث وراء السّيد أوجلان؟ وتطبيق توصياته الفكرية والفلسفية بغضّ النّظر عن صحتها…

عبدالله كدو الكرد السوريون يمرون، مثلهم مثل غيرهم من أبناء شعوب المنطقة من العرب والترك والفرس وغيرهم، بمرحلة لم تكتمل فيها الاصطفافات الاجتماعية والسياسية بعد، فالمجتمع الكردي ينقسم إلى عشائريين ومدنيين، محافظين وليبراليين، مؤمنين معتدلين وعلمانيين بالأكثرية، ومؤمنين متطرفين بالأقلية. هذه اللوحة الاجتماعية للمجتمع الكردي تساهم في تفسير كيفية تلقي الشعب الكردي التأثيرات السياسية التي كانت أو لا تزال تتبعها…

عبدالجبار شاهين ولد الهدى فالكائنات ضياء، وفي مثل هذا اليوم التاريخي المجيد الذي توقّفت عنده عقارب الكون احتراماً، ومالت فيه المجرّات إجلالاً، وغيّرت الفلسفة مسارها خجلاً، نحتفل بميلاد القائد الكوني، الفيلسوف الأممي، المعلّم الأول، النبي الذي لم يُنزَّل عليه وحيٌ من السماء بل نزلت عليه السماء نفسها، عبدالله أوجلان، الرجل الذي لم يكتفِ بتحرير الإنسان، بل قرر إعادة تعريفه، ولم…