آفاق انتفاضة الشعب الإيراني ضد الديكتاتورية

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)*

إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي.

التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل

 إن دفع الاحتجاجات المناهضة للحكومة، وتسجيل الوقائع، وجمع أسماء الشهداء، ونقل أخبار الانتفاضة، يتطلب تنظيماً وقوات فاعلة داخل البلاد. هذا الواقع يظهر أن التيارات التي تفتقر إلى مثل هذه القدرة لا يمكنها ادعاء تمثيل انتفاضة الشعب. وبناءً على هذه المعايير، يتم تقييم المقاومة الإيرانية.

دور وحدات المقاومة

 الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن الحضور الواسع لأعضاء وأنصار “وحدات المقاومة” التابعة للمقاومة الإيرانية بين شهداء انتفاضة شهر يناير، يشير إلى الارتباط العميق بين المقاومة المنظمة وعمق المجتمع وميدان الانتفاضة. التيارات التي تفتقر إلى هذه الخصائص لا يمكنها أن تكون صوتاً للمنتفضين في إيران، خاصة أولئك الذين يمارسون الرقابة على أخبار ومقاطع فيديو الانتفاضة أو يزيفونها لمصالحهم الخاصة، ومن بينهم بقايا ديكتاتورية پهلوي.

أمر القتل؛ تكرار لجريمة تاريخية

 بناءً على تقارير دولية موثوقة، أصدر علي خامنئي مباشرةً أوامر بقمع الاحتجاجات “بأي وسيلة كانت”. إن أمر إطلاق النار بقصد القتل والاستخدام الواسع للعنف المميت، يذكرنا بجرائم الثمانينيات ومجزرة السجناء السياسيين عام ۱۹۸۸، التي تمت بأمر مباشر من خميني، مؤسس ديكتاتورية ولاية الفقيه.

نهاية وهم الاحتجاج السلمي

 يعلم النظام الحاكم في إيران جيداً أن المجتمع الإيراني قد تجاوز مرحلة الاحتجاجات السلمية. إن المخططات مثل “الاحتجاجات القانونية” التي أقرها برلمان النظام، تفتقر في نظر الشعب إلى المصداقية والشرعية، ولا يمكنها احتواء الغضب المتراكم في المجتمع.

التناقض والتهديد الرئيسي للانتفاضة

 في الظروف الراهنة، يواجه الشعب الإيراني تناقضاً وتهديداً في آن واحد: الديكتاتورية الحاكمة، والقوى التي تقدم نفسها بدعم خارجي كبديل لها. كلاهما يشكل عائقاً أمام بزوغ فجر الحرية والديمقراطية في إيران. أحدهما هو الحاكم وهو التناقض الرئيسي، والآخر هو بقايا الديكتاتورية السابقة والتبعية الذين يتطلعون إلى القوى الخارجية لإيصالهم إلى السلطة!

القوة الثالثة والخيارات المفروضة على الشعب

 لقد أدرك الشعب الإيراني أنه ليس مضطراً للاختيار بين ديكتاتوريتين. هناك “قوة ثالثة”؛ قوة تقوم على مبدأ سيادة الشعب على الشعب، ورفض كافة أنواع الاستبداد وتحقيق الحرية. هذه القوة لا تسعى لإعادة إنتاج الديكتاتورية، بل تريد إقامة جمهورية ديمقراطية حقيقية.

الحل الثالث؛ المسار الحقيقي للحرية

 الحل الثالث الذي أعلنته القوة الثالثة، لا يقبل بالهجوم الخارجي ولا يؤمن بقابلية الديكتاتورية للإصلاح. هذا الحل يؤكد على إسقاط النظام من قبل الشعب ومقاومته المنظمة. إنه المسار الناتج عن التجارب التاريخية وفشل جميع الخيارات الأخرى.

ضرورة إنهاء الديكتاتورية في إيران

 إيران اليوم على أعتاب تحول مصيري. وكما انهارت ديكتاتورية الشاه في فبراير ۱۹۷۹، فإن الديكتاتورية الدينية لا يمكنها الصمود أمام إرادة الشعب الإيراني. هذه المرة، الهدف هو استقرار الحرية والديمقراطية والجمهورية.

الهدف من النضال ضد الديكتاتورية

 لا شك أن ما نراه في إيران اليوم هو نتاج الماضي. لقد خاض الشعب الإيراني أشكالاً مختلفة من النضال ضد الديكتاتورية، لأن أرض هذا البلد ومياهه ملك للشعب. لقد قمعت الأنظمة الديكتاتورية الناس لضمان بقائها. وإذا كان الشعب قد لجأ للأساليب السلمية في مراحل مختلفة، فإن لغته اليوم أصبحت “نارية” بالضرورة. لم يرغب أي شعب في الحرب، إلا إذا فُرضت عليه. وهذه اللغة تمثلها اليوم “وحدات المقاومة” في جميع أنحاء إيران؛ هؤلاء الذين نزلوا إلى الشوارع ضد ديكتاتورية ولاية الفقيه لأنهم يريدون بلداً “حراً” و”مستقلاً”.

كلمة أخيرة

 بينما تتجه الأنظار نحو الهجمات العسكرية الغربية ضد النظام الإيراني، وتنشغل بعض الأوساط الفكرية بهذا الموضوع، تركز وحدات المقاومة داخل إيران على إسقاط النظام الحاكم، لأن كل شيء يتقرر في الداخل. الشعب الإيراني ووحدات المقاومة هم من يملكون مفتاح مستقبل إيران. إن طريق أنصار الشاه الواهم هو التبعية والارتماء في أحضان الأجنبي؛ وجوهر كلامهم الموجه للغرب هو: “تعالوا واجلسوني على عرش السلطة مثل والدي في عام ۱۹۵۳ وجدي في عام ۱۹۲۱ واستمتعوا بالمزايا”. لكن الشعب والمقاومة الإيرانية لم يقبلوا التبعية أبداً ويتحركون تحت راية الاستقلال. لقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”. لذا فإن أصابع الشعب الإيراني على الزناد، وانتصار الشعب على الديكتاتورية في إيران أمر حتمي.

***

*کاتب ومحلل سياسي خبير في الشأن الايراني

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

دعا الرئيس مسعود بارزاني الحكومة العراقية الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان إلى عقد اجتماع مشترك لمعالجة القضايا العالقة والخلافات بين الجانبين، مؤكدا أهمية الحوار والتفاهم في ظل الظروف الحساسة التي تمر بها المنطقة والعراق. وأشار بارزاني في رسالة صادرة بتاريخ 16 آذار 2026 إلى أن تصاعد الحروب والاضطرابات في المنطقة يضع العراق أمام احتمالات أزمات متعددة، في وقت تتفاقم فيه حدة…

المحامي عبدالرحمن محمد تطرح القضية الكوردية منذ عقود مجموعة من الاسئلة الجوهرية التي لا يمكن تجاوزها او القفز فوقها بشعارات سياسية عامة مثل الاندماج او اخوة الشعوب. هذه الاسئلة ليست مجرد جدل نظري، بل تتعلق بحقوق شعب وهوية وطن وحق تاريخي وسياسي معترف به في القانون الدولي. في العالم اليوم اكثر من 200 دولة قومية. معظم هذه الدول لم تنشأ…

أيها السوريون الأحرار أيتها الجماهير الكردية الصامدة في مثل هذه الأيام من عام ٢٠١١، انطلقت شرارة الثورة السورية العظيمة، حاملة معها أسمى آمال الشعب السوري في الحرية والكرامة والمواطنة المتساوية ، واليوم، وبعد خمسة عشر عاماً من التضحية والعطاء، وبعد أكثر من سنة على سقوط النظام الأسدي المجرم، نقف بإجلال وإكبار لنستذكر مسيرة النضال الطويلة، ولنقرأ المشهد الوطني بعيون مليئة…

أصدرت وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان، اليوم الأحد 15 آذار (مارس) 2026، بياناً توضيحياً رداً على الاتهامات التي ساقتها وزارة النفط في الحكومة الاتحادية بشأن أسباب تعرقل تصدير النفط عبر ميناء جيهان التركي. وفيما يلي نص البيان: أصدرت وزارة النفط العراقية بياناً تزعم فيه عدم استعداد إقليم كوردستان لتصدير النفط عبر الأنبوب الناقل إلى ميناء جيهان التركي. وتصويباً…