الأنفاق التي لم تحفر لحماية الكورد… بل لإبقائهم بلا حماية

Kurdê Bedro

الأنفاق التي انتشرت في غربي كوردستان وامتداداتها نحو شنگال والرقة ودير الزور لا يمكن قراءتها كتحصينات دفاعية بريئة، بل كجزء من هندسة إقليمية محسوبة. من يحفر بنية تحتية سرية بهذا الحجم، على مدى سنوات، ثم ينسحب فجأة تاركا عشرات المليارات خلفه عند أول مباغتة، لم يكن يستعد لتحرير ولا لصمود، بل لإدارة أرض وفق تعليمات لا علاقة لها بمصير أهلها. المقاومة التي لا تستخدم أدواتها ساعة الخطر ليست مقاومة، بل اداة وظيفية مؤجلة.

قبل اجتياح داعش لشنگال كانت المعلومات الاستخباراتية واضحة، وحكومة إقليم كوردستان حاولت التحصن بخنادق لعرقلة الهجوم. لكن ما تلا ذلك كشف أن المشهد كان أوسع من مجرد تقصير. المالكي، ضمن حسابات إيرانية معروفة، سهل الطريق لداعش، لا فقط لضرب الكورد الإيزيديين، بل لإعادة هندسة السيطرة وسحب شنگال من يد الإقليم ووضعها بيد أذرع قنديل والحشد الشعبي المرتبط بإيران، في قلب مشروع الهلال الشيعي. الدم هنا لم يكن نتيجة فوضى، بل ثمنا لمخطط مدروس.

في تلك اللحظة، لم تتجه ماكينة قنديل نحو داعش، بل نحو الداخل الكوردي. حرك الشارع في غربي كوردستان باتجاه حدود الإقليم، لا دفاعا عن شنگال، بل بشعارات تخوين واتهامات فارغة ضد الخنادق، وادعاءات عن “تقسيم كوردستان”. لم يكن الخوف على الوحدة، بل الخوف من أن تكشف الخنادق الدفاعية التي كانت تحفر آنذاك ما تحت الأرض، شبكة أنفاق متشعبة بهندسة متاهات، لم تحفر لحماية الناس، بل لتبقى مخفية، لأن ظهورها كان سيسقط الرواية كاملة.

وحتى على المستوى الاقتصادي، لم يكن الشعب شريكا في هذا المشروع. أعمال الحفر أنجزت بعقلية ملف أمني مغلق، وبأيد من خارج المنطقة، ما يؤكد أن الأنفاق لم تكن يوما مشروعا محليا ولا موردا لأهله، بل بنية فرضت عليهم دون قرارهم، ودون أن تعود عليهم إلا بالخطر.

وعندما نربط ذلك بانقسام پ ك ك بعد اعتقال أوجلان، تتضح الصورة أكثر. تيار أوجلان تحول إلى واجهة رمزية تدار استخباراتيا، رمز معطل تستخدم صورته وشعاراته لإخضاع القواعد لا أكثر. منذ تلك اللحظة انقسم التنظيم بصمت، أوجلان كأداة تركية استخباراتية بلا فعل ميداني، مقابل تيار قنديل كأداة إيرانية عملياتية تمسك بالسلاح والقرار والمال ميدانيا. هذا التيار لم يستخدم الأنفاق لحماية الكورد، ولم يفتحها ساعة الخطر، ولم يفجرها بوجه العدو، بل أبقاها حيث هي لتؤدي وظيفتها الحقيقية، خدمة توازنات المحور، لا سلامة الناس.

هنا يصبح تشابه هذه الأنفاق مع أنفاق حماس مفهوما، ليس صدفة، بل انعكاسا لعقيدة إيرانية واحدة، حفر عميق، تشعيب ذكي، وبصمة حرارية منخفضة، والعمل بعيدا عن الرادار الأميركي–الإسرائيلي. ليس بهدف الدفاع عن السكان، بل لبناء أوراق ضغط صامتة تستخدم أو تترك حسب مصلحة المحور. لذلك لم تستخدم الأنفاق لحماية الكورد، ولم تفتح لإخلاء المدنيين، ولم تفجر بوجه المهاجمين. بقيت كما هي، وكأنها لم تحفر لأجلهم أصلا.

الأخطر من هذه الأنفاق، التي ساهمت في إضعاف الكورد لا حمايتهم، هو ما سمي بـ“معركة الخنادق”. خنادق حفرت في ستة عشر مدينة وبلدة في شمال كوردستان، دفع خلالها الشباب إلى معارك خاسرة بقرار من قنديل، وأسهمت عمليا في عودة الدولة العميقة عبر تحالف AKP–MHP. وفي الوقت نفسه كانت الجغرافيا الكردية في سوريا تفرغ من أي إمكانية لمشروع وطني مستقل، عبر تبادل أدوار بين النظام السوري وپ ك ك/پ ي د، فيما أمسكت إيران بالخيوط. النتيجة واحدة: شعب بلا أدوات ساعة الخطر.

في المحصلة، الأنفاق لم تحفر لحماية أهلها، ولم تستعمل ضد أعدائهم، بل بقيت أداة صامتة لتقوية مشاريع لا ترى في الكورد إلا جغرافيا، وفي دمهم إلا تكلفة جانبية. ما جرى ليس فشلا عسكريا، بل خيانة منظّمة، سياسة باردة، واستغلال كامل لشعب ترك أعزلا أمام الخطر. الأنفاق التي لم تحم أهلها شهادة واضحة على أن هذا المشروع لم يكن يوما مشروع شعب، بل مشروع نفوذ إقليمي، ودفع ثمنه من دماء أبناء الكورد وأرضهم.

وحين يمنع الشعب من القرار، ويستبعد حتى من العمل في مشروع يقام على أرضه، ثم يطلب منه أن يصدق أن ذلك “مقاومة”، فهذه ليست خديعة عابرة، بل استغفال منظم. ما جرى خيار سياسي واع، وعن سبق إصرار وتصميم، هدفه تفريغ غربي كوردستان من أهلها، وترسيخ واقع يبقي الكورد تابعين لا أصحاب قضية.

الأنفاق التي لا تحمي أهلها ليست مجرد حفر تحت الأرض، بل شهادة إدانة فوقها. ومن لا يرى ذلك اليوم، سيدفع ثمنه غدا من نفس الأرض، وبنفس الدم.

 

https://www.facebook.com/kurde.bedro.5/posts/pfbid0LndnMe9tA4CXaN9Har2cnQpiXkwey1jL2vt3FWzffdwxcAoEJ94zx79N4kjcjcXPl

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…