بين الوهم والصفقة الصغيرة: في تفكيك الاتفاقات الهشّة حول المسألة الكردية

صبحي دقوري

ليس كلُّ اتفاقٍ يُوقَّع في لحظة اضطرابٍ يُقصد به الحل، فكثيرٌ من الاتفاقات تُصاغ لا لتُنجز تسوية، بل لتُجمّد اندفاعة. في الأزمنة المتوترة، تتحول السياسة من فنِّ الممكن إلى فنِّ التسكين: تسكين الجبهات، وتسكين الشارع، وتسكين القلق الدولي. ومن هذا المنظور يمكن قراءة الاتفاقات الهشّة التي تُطرح في الملف الكردي اليوم بوصفها أدوات إدارة أزمة، لا مفاتيح حلّ تاريخي.

الحراك الكردي في أجزائه المختلفة لم يعد مجرد مطلب محلي، بل صار عنصر إزعاج جيوسياسي عابر للحدود. حين تنتقل القضية من الجغرافيا إلى الرأي العام الدولي، ومن الداخل إلى الساحات الأوروبية، فإنها تتحول من ملف أمني إلى ملف صورة وشرعية. وهذا التحول تحديدًا هو ما يربك الدول أكثر مما تربكها التحركات العسكرية المحدودة؛ لأن ضغط الصورة أبطأ، لكنه أبقى أثرًا.

الدولة القلقة لا تبحث أولًا عن اتفاق عادل، بل عن اتفاق مُهدِّئ. والاتفاق المهدّئ غالبًا ما يكون ناقص البنية، ضعيف الضمانات، سريع الصياغة، هدفه شراء الوقت وإعادة توزيع الأوراق. إنه ليس جسر عبور، بل منطقة انتظار. لذلك فإن قيمة أي تفاهم لا تُقاس بنصه المُعلن، بل ببنيته الضامنة: من يضمن؟ كيف يُراقَب التنفيذ؟ ما الكلفة عند الإخلال؟ وما البديل إن انهار؟

أما القوى المحلية المسلحة أو شبه الرسمية، فهي — بحكم طبيعتها — تعيش معضلة الاستمرار: تحتاج شرعية، وتحتاج تمويلًا، وتحتاج غطاءً دوليًا. وحين يتآكل أحد هذه الأركان، تميل إلى التسويات المرحلية، لا اقتناعًا بكمالها، بل خوفًا من الفراغ بعدها. وهذا سلوك بنيوي في كل تجارب “سلطات الأمر الواقع” عبر التاريخ السياسي المعاصر.

المعضلة الأعمق ليست في توقيع اتفاق ضعيف، بل في الاعتقاد أنه ضمانة دائمة. الذاكرة السياسية في المنطقة تُظهر نمطًا متكررًا: المركز يضعف فيقدّم تنازلات، ثم يقوى فيستردها. لذلك فإن الخوف من الارتداد ليس وهمًا نفسيًا، بل احتمال تاريخي ما لم يُقيد بنصوص دستورية واضحة، ورقابة دولية فعلية، وتوازن قوى مستقر — لا ظرفي.

إن القضية الكردية اليوم تقف بين خطرين متقابلين: خطر الوهم الكبير، وخطر الصفقة الصغيرة. الوهم الكبير هو الاعتقاد بأن المناخ الدولي سيعيد إنتاج سيناريوهات الحماية القديمة بصيغتها نفسها؛ والصفقة الصغيرة هي القبول بترتيبات هشة بلا ضمانات بنيوية. وبين الوهم والصفقة، وحدها البنية القانونية–السياسية المستقرة هي التي تصنع مكسبًا لا يُسترد.

السياسة الرشيدة لا تسأل: هل وُقّع اتفاق؟

بل تسأل: هل تغيّر ميزان الضمان؟

فحيث لا ضمان — لا استقرار،

وحيث لا استقرار — لا تسوية،

بل هدنة مؤجلة الانفجار.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…

نورالدين عمر بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية. أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟ كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك…

د. محمود عباس ليس كل ما يُقال نقدًا هو نقد، وليس كل من يتحدث باسم الكورد ينتمي إلى قضيتهم، ما يجري اليوم ضد (ليلى زانا) ليس مجرد هجوم عابر، بل اختبار لوعي الشارع الكوردي، وبداية مسار خطير إن لم يُفهم في توقيته ومعناه. في الآونة الأخيرة، وبعدما تخطت القضية الكوردية حدود الجغرافيا التي فُرضت عليها تاريخيًا، وبدأت تفرض حضورها في…