القضية الكُوردية: شرعية التاريخ وحدود التمثيل

خالد حسو

فليعلم الجميع أن القضية الكُوردية ليست ملفًا أمنيًا، ولا أزمة سياسية طارئة، ولا قضية عسكرية حديثة النشأة، بل هي قضية قومية متجذّرة في الأرض والتاريخ والهوية. إنها قضية شعبٍ حُرم، على امتداد عقود طويلة، من حقوقه القومية والسياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، ومن حقه الطبيعي في تقرير مصيره. وهي، في جوهرها، قضية أرض وتاريخ وشعب، وقضية ذاكرة جماعية تشكّلت عبر قرون من الوجود على الجغرافيا الكُوردية، ومن تجارب النضال، والاضطهاد، والمقاومة، ومحاولات الإنكار والإقصاء.
تمتلك القضية الكُوردية بعدًا تاريخيًا وقانونيًا وشعبيًا راسخًا، لا يمكن اختزاله في موازين القوة أو في الوقائع العسكرية المؤقتة. فالشرعية السياسية لا تُستمد من السيطرة، ولا من فرض الأمر الواقع، بل من الاعتراف بالإرادة الشعبية الحرة، واحترام التعددية السياسية، وصون الهوية والرموز الوطنية، والحفاظ على الذاكرة الجماعية التي تعبّر عن وعي الشعب بذاته، وبحقوقه، وبحدود قضيته الوطنية العادلة.
وانطلاقًا من هذا الفهم، فإن قوات سوريا الديمقراطية، ومعها سائر الإدارات والمنظمات المنبثقة عنها، ما دامت تحتفظ برموز لا تعبّر عن الهوية الوطنية الكُوردية، وما دامت تُقصي الحركة التحررية الكُوردية، وتُهمّش الأحزاب السياسية، والحركات المدنية، والمنظمات الثقافية والحقوقية المستقلة، فإنها لا يمكن اعتبارها ممثّلًا حقيقيًا للشعب الكُوردي، ولا معبّرة عن تطلعات قضيته القومية العادلة.
وطالما أن القضية الكُوردية هي قضية قومية وسياسية بامتياز، فإن أي مسار تفاوضي أو لقاءات تتعلّق بمصير الشعب الكُوردي ومستقبله يجب أن تقوم على مشاركة شاملة لجميع القوى السياسية الكُوردية، والجهات الحقوقية والمدنية، بوصفها التعبير الحقيقي عن الإرادة الشعبية. كما يجب أن يشمل هذا المسار تحديدًا واضحًا للجغرافيا القومية الكُوردية، الممتدة من أقصى الشمال الغربي، من ميدان أكبس، مرورًا بعفرين وكوباني ورأس العين، وصولًا إلى ديريك وقامشلو وعامودا، بما يحفظ وحدة الأرض، واستمرارية الهوية، والذاكرة التاريخية المشتركة.
إن تمثيل القضايا القومية لا يُفرض بالقوة، ولا يُختزل في السيطرة العسكرية أو الدعم الظرفي، بل يتأسس على الشرعية التاريخية، والاعتراف بالقانون الدولي، والشراكة السياسية، واحترام الإرادة الشعبية والذاكرة الجماعية. وكل مشروع يتجاوز هذه الأسس، مهما امتلك من نفوذ أو سلطة، يبقى مشروعًا منقوص الشرعية، ومنفصلًا عن جوهر القضية الكُوردية التي يدّعي تمثيلها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
1 Comment
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
ايليا
ايليا
22 أيام

اكيد قسد لاتمثل جميع افراد الشعب الكوردي ولم تدعي يوما انها الممثل الوحيد للشعب الكوردي. ولكنها تمثل تطلعات معظم الكورد لانها ببساطة استطاعت خلال الحرب الأهلية الحفاظ على الامن في معظم الشمال والشمال الشرقي لسوريا. وقواتها كانت في الدرجة الاولى دفاعية ولاهجومية ولم توظفها لنيل حقوق الشعب الكوردي لأنها ببساطة ليس بمقدورها مواجهة طيران الجيش التركي. اليوم من العار بعد ان تلاشت قسد جراء الاتفاقات الدولية ان نتطاول على قسد. هناك مثل يقول الحمار يسخردائما من الحصان الذي خسر السباق.

اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…