سوسن ديكو / فيينا
الشرعية المُعلَّقة: قراءة في اتفاق يُؤجِّل الاعتراف
في السياسة لا تُقاس الاتفاقات بما تُعلنه من تهدئة آنية، بل بمدى قدرتها على تثبيت الحقوق،
وبما إذا كانت تعالج جوهر الصراع أم تؤجّله بصيغة أكثر هدوءًا.
من هذا المنطلق، يثير الاتفاق المعلن بين قوات سوريا الديمقراطية وسلطة دمشق إشكالية عميقة تتعلق بشرعيته السياسية، لا بسبب شكله أو لغته، بل بسبب بنيته ومضمونه والسياق الذي وُضع فيه.
فالقراءة المتأنية لبنود الاتفاق تكشف أنه يتعامل مع القضية الكوردية بوصفها مسألة ضبط أمني وإعادة تنظيم إداري، لا قضية شعب له حقوق سياسية وقومية واضحة، ولا تاريخ طويل من التضحيات. وهو بذلك يتجاوز السؤال المركزي الذي لا يمكن القفز فوقه:
ما هو موقع الشعب الكوردي وحقوقه السياسية في مستقبل سوريا؟
إن التركيز على وقف إطلاق النار، وعمليات الدمج، وانتشار القوى الأمنية، دون أي التزام صريح باعتراف دستوري أو ضمانات قانونية ملزمة، لا يشكّل حلًا سياسيًا، بل ترتيبًا مؤقتًا لإدارة التوازنات.
ما يجري هنا ليس تفاوضًا على الحقوق، بل إعادة ضبطٍ قسرية لموقع الشعب الكوردي خارج معادلة القرار، تحت غطاء اتفاقٍ يطلب الهدوء مقابل تعليق الشرعية.
ولا تقتصر إشكالية هذا الاتفاق على البعد السياسي فحسب، بل تمتد إلى أساسه القانوني والدستوري. فوفق المعايير الدستورية المعمول بها، يفتقر الاتفاق إلى سند قانوني أعلى يمنحه الصفة الإلزامية، كما يغيب عنه أي تفويض شعبي مُثبت أو آليات تنفيذ ورقابة مستقلة. وبهذا المعنى، لا يرقى الاتفاق إلى مستوى اتفاق مُنشئ للحقوق أو ضامن لها، بل يظل تفاهمًا سياسيًا مؤقتًا، قابلًا للنقض أو التعليق عند تغيّر موازين القوى، دون أي حماية قانونية مكتسبة للطرف المجتمعي المعني.
خطورة هذا المسار لا تكمن فقط في ما يقوله، بل في ما يتجاهله عمدًا. إذ يتم تحييد البعد السياسي للقضية، وتفريغ الحراك الشعبي والضغط الدولي من مضمونه، عبر تقديم “التهدئة” كبديل عن الاستحقاق، و”الواقعية” كذريعة لتأجيل الاعتراف.
التجارب السياسية في المنطقة أثبتت أن الاتفاقات التي لا تُبنى على إرادة شعبية واضحة، ولا تستند إلى اعتراف متبادل وضمانات مكتوبة، سرعان ما تتحول إلى عبء جديد، وتُعيد إنتاج الأزمة بدل حلّها.
ومن هنا، فإن الاعتراض السياسي والشعبي على هذا الاتفاق لا يمكن وصفه بالانفعال أو الرفض المجرد، بل هو تعبير عن وعيٍ جمعي بأن الحقوق لا تُمنح مقابل الصمت، ولا تُؤجَّل باسم الاستقرار.
إن أي مسار سياسي جاد لا بد أن ينطلق من حقيقة أساسية:
المناطق الكوردية وحدة جغرافية وسياسية واحدة،
ولا يمكن تقرير مستقبلها عبر تفاهمات جزئية أو ترتيبات ظرفية تُدار من فوق، دون مشاركة فعلية وتمثيل حقيقي لإرادة شعبها.
الاتفاق الذي يُدار لتبريد الشارع لا لبناء حق،
ولا يتضمّن اعترافًا صريحًا ولا ضمانات مُلزِمة،
ليس تسوية سياسية، بل تعليق منظّم للحقوق.
وكل حقّ يُعلَّق باسم التهدئة،
يعود لاحقًا كأزمة أعمق وصراع أشد.
لا سلام بلا اعتراف.
ولا شرعية لاتفاق يُبنى خارج إرادة أصحابه