الشعب الكوردي في سوريا بين الرعب والقلق وغياب التوضيح… شعارات طبول الحرب بدل مخاطبة الناس بالحقيقة

عبد الرحمن حبش

يعيش الشعب الكوردي في سوريا حالة متصاعدة من الرعب والقلق في ظل مرحلة سياسية وأمنية شديدة التعقيد، تتداخل فيها التهديدات العسكرية مع التحولات الإقليمية والتفاهمات الدولية، بينما يبقى المواطن الكوردي في دائرة الغموض، بلا معلومات واضحة ولا تطمينات مسؤولة حول ما يجري خلف الكواليس. فالمشهد العام يوحي بأن القرارات المصيرية تُناقش بعيدًا عن الرأي العام، فيما يُترك الشارع يفسّر الأحداث عبر الإشاعات والتسريبات والتحليلات المتضاربة.

وما يزيد من حدة هذا القلق هو الغياب شبه الكامل لأي توضيح رسمي وصريح من قبل قيادة قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية حول التطورات السياسية والأمنية والعسكرية، ولا سيما ما يتعلق بالحوار أو التفاهمات المحتملة مع حكومة دمشق. فبدل خطاب سياسي شفاف يشرح الواقع كما هو، ويضع الناس أمام الحقائق، لا يسمع المواطن سوى شعارات عامة ونبرة تعبئة عسكرية، وكأن طبول الحرب أصبحت البديل عن المصارحة والوضوح.

إن الحديث المتكرر عن اتفاقات أو تفاهمات مع دمشق، دون أي إعلان رسمي أو شرح لحدود هذه العلاقة وسقوفها السياسية، يفتح الباب أمام الشكوك ويعمّق فجوة الثقة بين القيادة والشارع. فالشعب الذي قدّم التضحيات الكبرى دفاعًا عن أرضه ووجوده لا يمكن التعامل معه كمتلقٍ سلبي أو طرفٍ غير معني بما يُخطط لمستقبله. من حقه الطبيعي أن يعرف إن كانت هناك مفاوضات، وما طبيعتها، وما الضمانات المطروحة، وما المخاطر المحتملة، بدل أن يبقى رهينة التخمين والقلق.

وفي لحظات كهذه، لا يكفي إصدار بيانات مقتضبة أو الاكتفاء بالخطاب التعبوي. إن المسؤولية السياسية والأخلاقية تفرض على قيادة قسد، في كل حدث مفصلي سياسي أو أمني أو عسكري، أو عند كل جولة حوار مع حكومة دمشق، عقد مؤتمر صحفي واضح وعلني يوجّه رسالة مباشرة إلى الشعب الكوردي في سوريا، يشرح فيه ما يمكن شرحه، ويضع حدودًا لما لا يمكن الإعلان عنه، ويقدّم رؤية عامة للمسار المتّبع. فالمؤتمر الصحفي ليس ترفًا إعلاميًا، بل أداة ثقة، ووسيلة لقطع الطريق على الإشاعة، ورسالة احترام لشعبٍ يطالب فقط بأن يكون شريكًا في المعرفة كما كان شريكًا في التضحية.

إن استمرار حالة الغموض، وغياب التواصل المباشر مع الناس، لا يخدم الاستقرار ولا يعزّز الوحدة الداخلية، بل يفاقم الخوف ويُضعف الجبهة الداخلية في لحظة تاريخية حساسة. فالمرحلة الحالية تتطلب خطابًا مسؤولًا، شفافًا، وواقعيًا، يُخاطب عقول الناس لا عواطفهم فقط، ويؤكد أن أي قرار مصيري لن يُتخذ بمعزل عن إرادة الشعب الكوردي وحقه في المعرفة.

في النهاية، يبقى الشعب الكوردي في سوريا أمام مفترق طرق، بين ما يسمعه من شعارات، وما يعيشه من قلق يومي على مصيره ومستقبل أبنائه. والتاريخ سيُسجّل بوضوح من اختار المصارحة وبناء الثقة، ومن فضّل الصمت وترك شعبه في العتمة. ففي القضايا المصيرية، الصمت ليس حيادًا، بل موقفًا بحد ذاته.

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ولاتي مه – خاص: أعلن خمسة من أصل سبعة أعضاء في قيادة منظمة أوروبا التابعة لحزب الوحدة الديمقراطي الكُردي في سوريا انسحابهم من صفوف الحزب، وذلك عبر بيان سياسي صدر اليوم، أشاروا فيه إلى جملة من الأسباب التنظيمية والسياسية التي دفعتهم لاتخاذ هذا القرار، بعد ما وصفوه باستنفاد جميع محاولات الإصلاح الداخلي. ويأتي هذا التطور بعد أيام قليلة من إعلان…

د. حمدي سنجاري بعض الزيارات لا تُنسى. لا لأنها تُعرّفك على مكان، بل لأنها تضعك وجهاً لوجه مع معاناة بشر حقيقيين، وآمالهم التي لم تنطفئ بعد. وحين دعاني عدد كبير من أبناء سنجار، النازحين قبل أيام في دهوك وأربيل، وجدت نفسي أمام زيارة طالما أجّلتها أكثر مما ينبغي. هناك التقيت بسنجار الحقيقية. مسلمون، إيزيديون، مسيحيون. عرب وكورد وتركمان….

تلقى النائب كبرئيل موشي سلسلة من الاتصالات والرسائل من عدد من أحزاب الحركة الوطنية الكردية في سوريا، هنأته خلالها بمناسبة نيله عضوية مجلس الشعب السوري، متمنين له التوفيق والنجاح في أداء مهامه الوطنية وخدمة أبناء الوطن. وقد وردت هذه الاتصالات والرسائل من كل من: * الدكتور صلاح درويش سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا * السيد شلال كدو رئيس…

خوشناف سليمان ما تشهده مناطق شمال وشرق سوريا اليوم هي حالة استنزاف شاملة تضرب حياة الناس في الصميم. وتستهدف القدرة على البقاء والصمود لدى جميع مكونات المنطقة و خاصة الكرد الحرائق التي التهمت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية خلال المواسم الأخيرة لم تكن مجرد حوادث عابرة. بل جاءت متزامنة مع سياسات اقتصادية أثقلت كاهل المزارعين. فأسعار شراء المحاصيل لم تعد…