القومية الكوردية في سوريا: من الإقصاء الدستوري إلى معركة الاعتراف والحقوق

ماهين شيخاني

لم تكن القضية الكوردية في سوريا يوماً مسألة طارئة أو نتاج ظروف سياسية عابرة، بل هي قضية متجذّرة في بنية الدولة السورية الحديثة منذ تأسيسها، حيث جرى التعامل مع الوجود الكوردي بوصفه “مشكلة صامتة” ينبغي تذويبها، لا مكوّناً أصيلاً يستحق الاعتراف والحقوق.
أولاً: الإطار الدستوري… هوية واحدة تُقصي التعدد
منذ دستور عام 1950، الذي عُدّ آنذاك من أكثر الدساتير السورية “تحرراً”، نُصّ صراحة على أن سوريا جزء من الوطن العربي، والشعب السوري جزء من الأمة العربية. هذه الصيغة، التي استمرّت في الدساتير اللاحقة وصولاً إلى دستور 2012، لم تكن مجرد توصيف ثقافي، بل كانت إطاراً أيديولوجياً مغلقاً حصر هوية الدولة والشعب في بعد واحد، وأقصى تلقائياً القوميات غير العربية، وفي مقدمتها الشعب الكوردي.
لم يعترف أي دستور سوري سابق بالكورد كقومية أصيلة، ولم يُشر إلى حقوقهم اللغوية أو الثقافية أو السياسية، بل جرى تجاهلهم تماماً في النصوص التأسيسية للدولة، وكأنهم خارج التاريخ أو خارج الجغرافيا السورية.
ثانياً: تغييب متعمّد للحقوق الثقافية واللغوية
رغم أن الكورد يشكلون ثاني أكبر قومية في سوريا، فإن الدساتير السورية المتعاقبة لم تتضمن أي مادة صريحة:
تعترف باللغة الكوردية،
أو تضمن التعليم بها،
أو تحمي الهوية الثقافية الكوردية،
أو تتيح مشاركة عادلة في صياغة الدولة ومؤسساتها.
بل على العكس، رافق هذا الإقصاء الدستوري سياسات عملية قمعية: من الإحصاء الاستثنائي، إلى مشروع الحزام العربي، إلى منع الأسماء واللغة والاحتفالات القومية، ما جعل الدستور أداة شرعنة للإقصاء، لا عقداً اجتماعياً جامعاً.
ثالثاً: الإعلان الدستوري الجديد… كسر جزئي للمسار القديم
يمثل الإعلان الدستوري الأخير تحوّلاً نسبياً في اللغة الدستورية، إذ تخلى عن الصيغة الصريحة التي تحصر هوية الدولة والشعب في البعد العربي فقط، وتضمّن نصوصاً تشير إلى حماية الحقوق الثقافية واللغوية لجميع المكوّنات.
ورغم أن هذه الصياغة لا ترقى بعد إلى مستوى الاعتراف الدستوري الصريح بالقومية الكوردية، إلا أنها تشكّل سابقة قانونية مهمة مقارنة بكل ما سبقها، وتفتح باباً – وإن كان ضيقاً – للنقاش حول مفهوم الدولة المتعددة القوميات، لا الدولة الأحادية المغلقة.
رابعاً: بين النص والواقع… فجوة التنفيذ
لكن التجربة السورية علمتنا أن المشكلة لا تكمن فقط في النصوص، بل في الإرادة السياسية. فكم من مواد دستورية كُتبت باسم الحرية والمساواة، ثم جرى تفريغها من مضمونها على أرض الواقع؟
إن أي حديث عن حقوق الكورد لا يمكن أن يكون جدياً ما لم يترافق مع:
اعتراف دستوري واضح بالقومية الكوردية،
ضمان لغتهم في التعليم والإدارة،
شراكة حقيقية في صياغة الدستور،
وإنهاء كل السياسات التي قامت على الإنكار والتعريب القسري.
خامساً: القضية الكوردية… قضية عدالة لا انفصال
من المهم التأكيد أن المطالب الكوردية في سوريا، تاريخياً، لم تكن دعوة للانفصال، بل بحثاً عن العدالة والاعتراف والمساواة داخل إطار دولة ديمقراطية تعددية. لكن الإصرار على إنكار هذه الحقوق هو ما غذّى الأزمات، وفتح الباب أمام الصراعات، وأضعف مفهوم المواطنة الجامعة.
خاتمة
إن القومية الكوردية في سوريا ليست طارئة ولا دخيلة، بل حقيقة تاريخية وجغرافية وثقافية. وأي مشروع لبناء سوريا جديدة، مستقرة وعادلة، لا يمكن أن يقوم على إنكار هذه الحقيقة، أو تأجيلها، أو الالتفاف عليها بنصوص عامة فضفاضة.
الدستور الحقيقي ليس ما يُكتب لإرضاء أيديولوجيا حاكمة، بل ما يعكس تنوّع المجتمع ويصون كرامة جميع مكوّناته. ومن دون إنصاف الشعب الكوردي، ستبقى الدولة السورية أسيرة ماضيها، عاجزة عن صناعة مستقبلها. 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…