الشعب الكوردي في سياقه التاريخي: الأصالة، الاستمرارية، والشهادة التاريخية

خالد حسو

 

تُظهر الدراسات التاريخية واللغوية والآثارية، القديمة والحديثة، أن الشعب الكوردي يُعد من أقدم شعوب غربي آسيا، وأن وجوده في مناطق جبال زاغروس ومرتفعات كوردستان يعود إلى عصور سحيقة تسبق تشكّل الدول والإمبراطوريات الكبرى في الشرق الأدنى. ويؤكد هذا الوجود التاريخي المستمر ما ورد في النصوص المسمارية السومرية والأكدية والآشورية منذ الألف الثالث قبل الميلاد، والتي تشير إلى جماعات محلية مستقرة في هذه المناطق، مثل اللولوبيين، الغوتيين، الكاشيين، والميديين، وهي جماعات يرى عدد من الباحثين أنها شكّلت الأساس التاريخي للتكوين الإثني والثقافي للشعب الكوردي.

وقد تناول المؤرخ الإغريقي هيرودوت في كتابه التواريخ الميديين بوصفهم شعبًا أصيلًا في الهضبة الإيرانية الغربية، وهو توصيف عزّزه الجغرافي سترابون في حديثه عن سكان الجبال الواقعة بين الأناضول وبلاد فارس، مشيرًا إلى خصوصيتهم اللغوية والاجتماعية واستقرارهم التاريخي. ويرى عدد من الباحثين المعاصرين، وفي مقدمتهم المستشرق الروسي فلاديمير مينورسكي، أن الميديين يمثلون أحد الجذور التاريخية الأساسية للشعب الكوردي من حيث الاستمرارية الجغرافية والثقافية.

وتكتسب شهادة المؤرخ والكاتب الإغريقي زينوفون (Xenophon) أهمية خاصة في هذا السياق، ولا سيما في مؤلفه المعروف الأنيباسيس (Anabasis)، حيث يصف عبور الجيش الإغريقي عام 401 قبل الميلاد عبر مناطق جبال زاغروس وكوردستان الحالية، ويشير إلى سكانها الأصليين الذين أطلق عليهم اسم الكاردوخوي (Karduchoi). ويجمع عدد كبير من الباحثين المحدثين على أن الكاردوخوي الذين وصفهم زينوفون، من حيث الموقع الجغرافي، ونمط العيش الجبلي، والتنظيم الاجتماعي، يمثلون أحد الأسلاف التاريخيين للشعب الكوردي المعاصر. وتكتسب هذه الشهادة قيمتها العلمية من كونها وصفًا ميدانيًا مباشرًا لشعب محلي مستقر في موطنه التاريخي، دافع عن أرضه، دون أن يكون قوة توسعية أو غازية.

وفي السياق نفسه، يؤكد الباحث إيغور دياكونوف في دراساته حول شعوب الشرق الأدنى القديم أن الجماعات الجبلية في زاغروس لم تكن شعوبًا وافدة أو نتاج هجرات متأخرة، بل مجتمعات أصلية متجذرة في موطنها التاريخي. كما يشير مؤرخون مثل جورج كاميرون إلى أن هذه المناطق شكّلت عبر العصور فضاءً لشعوب محلية قاومت الهيمنة الإمبراطورية المتعاقبة، دون أن تمارس بدورها سياسات غزو أو استيطان خارج نطاقها الطبيعي.

أما في المصادر العربية والإسلامية الكلاسيكية، فقد ورد ذكر الكورد بوصفهم شعبًا متميزًا في موطنه، كما في كتابات المسعودي والطبري وابن الأثير وياقوت الحموي، حيث أشاروا بوضوح إلى جغرافية كوردستان وسكانها، ولغتهم وعاداتهم وتنظيمهم الاجتماعي، وهو ما يعكس اعترافًا تاريخيًا مبكرًا بالهوية الكوردية ضمن النسيج الحضاري للمنطقة.

وفي الدراسات الحديثة، يذهب باحثون مثل مارتن فان بروينيسن وديفيد ماكداول إلى أن القضية الكوردية لا يمكن فهمها بمعزل عن هذا العمق التاريخي، مؤكدين أن ما تعرّض له الشعب الكوردي من تفتيت سياسي وإنكار للحقوق هو نتيجة مباشرة للموقع الجيوسياسي الحساس لكوردستان وصراعات القوى الإقليمية، لا نتيجة لغياب الجذور أو المشروعية التاريخية.

وعليه، فإن القراءة الأكاديمية المتأنية للتاريخ تُظهر بوضوح أن الشعب الكوردي شعبٌ أصيل في أرضه التاريخية، حافظ على استمراريته السكانية والثقافية عبر آلاف السنين، دون أن يُعرف عنه تاريخيًا أنه مارس الغزو أو الاحتلال خارج موطنه. إن القضية الكوردية المعاصرة، في جوهرها، ليست إلا امتدادًا تاريخيًا لمسار طويل من الوجود والهوية والمطالبة المشروعة بالحقوق، في إطار التاريخ والقانون والعدالة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس في المراحل الهادئة نسبيًا، يبقى النقد ضمن حدود السجال السياسي. لكن في لحظات التوتر والانكسار، يتغير مناخ الخطاب. ما كان يُقال بوصفه ملاحظة أو مراجعة، يُعاد تفسيره بوصفه اصطفافًا، ثم يتصاعد ليصبح تهمة، وأخيرًا يتحول إلى كراهية صريحة. هذه الظاهرة ليست جديدة في التجارب السياسية، لكنها في السياق الكوردي في غربي كوردستان أخذت طابعًا أكثر حدّة في…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* صباح الأحد الأول من مارس، قالت رئيسة البرلمان الأوروبي في أول رد فعل عالمي على موت خامنئي: «يجب أن تكون نهاية آية الله علامة على نهاية عصر الدكتاتوريات في إيران». الدكتاتورية الدينية استولت الدكتاتورية الدينية على مقاليد الأمور في إيران عام 1979 بالخداع والشعارات البراقة. وبدأت عملها بقمع الحريات واستمرت بقتل المطالبين بالحرية. ووسعت دكتاتوريتها من خلال…

صلاح بدرالدين الى الاعلامي المميز، والمثقف السياسي الصديق العزيز شفيق جانكير – بافي آيندة – اتذكر قبل عشرين عاما عندما قررت مواجهة المستحيل، باصرار منقطع النظير، على وضع اللبنات الاولى لموقع اعلامي مستقل وملتزم بالمسلمات القومية والوطنية، في الساحة الكردية السورية، التي كانت تشهد ظاهرة تكاثر الولادات القيصرية للتعبيرات الحزبية، وذروة صراعاتها، عشية ازدياد مخاطر الاختراقات الامنية في جسد الهياكل…

كفاح محمود لا يمكن فهم القصف المتكرر على إقليم كوردستان بوصفه مجرد رد فعل أمني أو ارتداد عابر لصراعات المنطقة؛ فهذه الهجمات، التي استهدفت خلال سنوات طويلة المطارات والفنادق وحقول النفط والغاز والبنى الحيوية، تكشف عن هدف أبعد من التخريب المباشر: كسر نموذج مختلف داخل العراق، فالإقليم لم يعد في نظر خصومه مجرد مساحة جغرافية، بل صار تجربة سياسية واقتصادية…