الحرب ليست رخصة للوحشية.. بدلاً عن بيان

إبراهيم اليوسف

ليست الكرامة شأناً تفاوضياً، وليست حياة المدنيين مادة في بازار السياسة أو غنيمة في حسابات البنادق.
أية يد تمتد إلى طفل أو امرأة، أو شيخ، أو بيت أعزل إنما ترتكب جريمة كاملة الأركان، مهما رفعت من شعارات ومهما احتمت بأية راية.

إدانة أي اعتداء أو انتهاك بحق المدنيين واجب أخلاقي وقانوني، لا يقبل الانتقاء. إذ لا فرق بين رصاصة خرجت من بندقية لهذا الطرف أو ذاك. الألم واحد، والدم واحد، والعدالة لا تتجزأ.

من هنا، فإن كل مرتكب لجريمة قتل، أو خطف، أو تعذيب، أو تهجير، أو نهب، أو قصف عشوائي، يجب أن يقدم إلى محاكمات قانونية شفافة، علنية، مستقلة، حيث يسمى الجرم اسماً صريحاً ويحاسب الفاعل بلا حصانة ولا حماية سياسية.

أما في ما يخص المقاتلين، فإن ساحة القتال ليست رخصة مفتوحة للوحشية لمرضى سفك الدماء، إذ إن القانون الدولي الإنساني يرسم حدوداً صارمة حتى للحرب نفسها ومتن ذلك: حماية الأسرى، تحريم الإعدام الميداني، منع التعذيب والتمثيل بالجثث، تحريم استهداف الجرحى والمسعفين والإعلاميين والمنشآت الطبية، وتجريم أي استخدام للقوة خارج الضرورة العسكرية المباشرة.

ويدخل في باب الجريمة كل مساس بكرامة الأسير أو حياته، إذ لا يملك الآسر حق الإذلال أو الانتقام، أو إهانة الأسير أو قتله بعد أسره أو تعذيبه أو تجويعه أو ابتزازه، وحرق الجثث أو التمثيل بها أو إهانتها، ولل التهديد اللفظي أو المادي للمدنيين وترويعهم وكسر أمنهم اليومي. إنها أفعال لا تُسمى وسائل ضغط، إنما جرائم كاملة الأركان، تسقط عن مرتكبها أي ادعاء بالشرف أو البطولة.
خرق هذه الحدود لا يسمى بطولة، إنما جريمة حرب. الإنسان يظل إنساناً، سواء أكان مدنياً أو أسيراً أو جريحاً أو حتى خصماً منزوع القدرة. ولهذا، فالعدالة ليست انتقاماً، إنما محاسبة، وليست شعاراً، إنها مؤسسات وقضاء وشهود وملفات مفتوحة. وصوت الضمير لا ينحاز إلى بندقية، لكنه ينحاز إلى الحياة. وكل دم بلا حساب يفتح الباب لحرب أُخرى، في متوالية لاتنتهي.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…