«قسد» والمسألة الكردية: انكشاف التمثيلات الزائفة

صبحي حديدي *

قد يكون مشروعاً من حيث المبدأ اللجوء إلى منهجية في تحليل المستويات الوظيفية والتمثيلية لـ«قوات سوريا الديمقراطية – قسد»، لا تبدأ مما يعلنه البعض، أو تزعمه «قسد» ذاتها؛ بل تنطلق، على العكس، مما لا تمثله فعلياً، مادياً على أرض الواقع، أو رمزياً في المجاز والفضاءات الافتراضية. والغاية العليا خلف هذا الخيار تخص استجلاء تمييز، ضروري في ضوء اعتبارات عديدة، بين تكوين «قسد» ومكوناتها ومشروعها وبرامجها وممارساتها من جهة؛ وجوهر المسألة الكردية واستحقاقاتها وتعقيداتها وتشابكاتها في سوريا عموماً، وفي مناطق الشمال الشرقي وما يشمل مسمى «الجزيرة» خصوصاً، من جهة أخرى.

فإذا افترض المرء، كما تفعل هذه السطور، أنّ تصريحات أمريكية واضحة التنصل من رعاية «قسد»، صدرت عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على سبيل تثبيت أقوال ممثله في تركيا وسوريا توم براك، ليست بالضرورة رصاصة الرحمة على ما تبقى من كينونة «قسد» العسكرية، ثمّ السياسية والتنظيمية والعقائدية استطراداً؛ فإنها، في المقابل، ضربة قاصمة تشبه الكثير من ضربات سابقة خصّت بها واشنطن تابعيات لها، أقلّ أو أرفع قيمة من «قسد»، بعد انتهاء الوظائف التي أُوكلت إليها. صحيح، بالطبع، أن التكتيك العسكري الذي اعتمده الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع كان أكثر حنكة، وأشدّ اتعاظاً بتجارب المجازر في الساحل السوري والسويداء؛ إلا أنّ انهيار «قسد» السريع في حلب الشيخ مقصود وفي دير حافر ومسكنة والطبقة والرقة وأرياف دير الزور والحسكة، كان أقرب إلى ذوبان كتلة جليد.

وبصدد خيانات واشنطن لحقوق الكرد، ثمة سجلّ حافل حمّال دروس شتى، لا يلوح أنها وجدت من يتعظ بدلالاتها. وكانت 14 من مبادئ الرئيس الأمريكي وودرو ولسن، حول الأقليات في السلطنة العثمانية، قد تجاهلت إنصاف حق الكرد في تقرير المصير؛ وكان رئيس ثان، جورج بوش الأب، قد حثهم وحرضهم على الانتفاض ضدّ نظام صدام حسين، ثم تركهم في العراء؛ ورئيس ثالث، بيل كلنتون، وجّه وكالة المخابرات المركزية إلى التعاون مع الاستخبارات التركية للإيقاع بالزعيم الكردي/ الرمز عبد الله أوجلان واعتقاله في كينيا؛ ورابع، ترامب، حوّل «قسد» إلى جهاز لمحاربة «داعش» بإمرة الوحدات العسكرية الأمريكية داخل التحالف…

ذلك، الذي استطابت قيادات «قسد» اعتباره شراكة مع إدارات البيت الأبيض، كان نهجاً متنافراً إلى درجة فاضحة، وكان بالتالي التمثيل الذاتي الزائف الأول الذي توجّب أن يقود إلى نقائض تسمية «قسد» ذاتها: لا هي سورية تماماً (بالنظر إلى حجم سيطرة «حزب العمال الكردستاني» وقيادات قنديل، خاصة ذات الهوى الإيراني)؛ ولا هي ديمقراطية ملموسة (خاصة حين يكون الآمر الفعلي الأول هو سيد البيت الأبيض، ومندوبه قائد القوات الأمريكية في الرميلان أو الشدادي)؛ ولا هي قوات تخضع لتسلسل قيادي هرمي عسكري، قياساً إلى ما اتضح من تمرّد الصقور ودعاة التدخل الإسرائيلي، ونطاق انشقاق أبناء العشائر أو بعض فئات الشيشان والشركس والسريان والأرمن، خلال الانهيارات الأخيرة)…

التمثيل الزائف الثاني، الأكثر خطورة والأهمّ دلالة ربما، أنّ «قسد» كشفت عن تخاذا إرادي مريع في إحكام ارتباطها بتجربة روجافا، مشروع الحلم بإدارة ذاتية ديمقراطية وعلمانية تكفل حقوق المواطنة والمرأة؛ عُلّق على مساعي إنشائه قسطٌ غير ضئيل من الآمال. ليس في ناظر دعاة المشروع وبعض أبناء منطقة «الجزيرة» السورية فقط، بل هنا وهناك في أوساط يسار غربي مناهض للإمبريالية، سارع إلى احتضان المشروع لوهلة قصيرة قبيل انكشاف القبضة العسكرية والتمويلية الأمريكية على تلك «اليوتوبيا» المشتهاة.

كانت أقرب إلى نكسة محزنة أن ينطوي سريعاً ذلك الزمن الذي شهد صدور كتاب بعنوان «ثورة في روجافا: الإدارة الذاتية الديمقراطية وتحرير النساء في كردستان السورية»، بالإنكيزية ضمن منشورات Pluto التقدمية عموماً، بتوقيع ثلاثة مؤلفين؛ أو أن يسبقه كتاب آخر، بتوقيع أوسو سابيو، عنوانه «روجافا: بديل عن الإمبريالية والنزعة القومية والإسلاموية في الشرق الأوسط». ولكنها كانت، أيضاً، تحصيل حاصل لذلك التمرّغ في السلّة الأمريكية، والسكوت عن تفشي الفساد، والتبعية، والعسكرة والتسلط الأمني، والتجنيد الإجباري للقاصرات والقاصرين، والاتجار بالثروات السورية وتبديدها على حفر الأنفاق، والتغييرات العشوائية للمناهج الدراسية، وارتكاب جرائم حرب في الرقة والحسكة والقامشلي والمالكية… وكلّ هذا، وسواه، في غمرة الغرق أكثر فأكثر (عن سابق قصد وتصميم، كما يتوجب القول) في مستنقع أمريكي باتت أوحاله ظاهرة لكلّ ذي بصيرة، خاصة بعد انهيار نظام «الحركة التصحيحية» في كانون الأول (ديسمبر) 2024.

ومنذ سنة 1957، التي شهدت ولادة «الحزب الديمقراطي الكردستاني» أول تنظيم سياسي كردي في سوريا، تكاثرت الأحزاب والفصائل والمجالس والائتلافات والتحالفات والانشقاقات الكردية، على خلفية انتهاكات حقوقية ومدنية وقانونية وثقافية ارتكبتها الأنظمة المتعاقبة، وصنعت مسألة كردية عميقة الجذور في المجتمع السوري. وفي الوسع، اليوم، تعداد أكثر من 20 حزباً كردياً، تتفاوت من حيث هوياتها الإيديولوجية وبرامجها السياسية وأحجامها التنظيمية وجماهيرها؛ ولكن المنعطف الحاسم قد يكون قرار حمل السلاح، الذي لم يكن البتة رديف العمل السياسي حتى مطالع 2011، حين انخرط الكرد في مختلف أشكال الانتفاضة الشعبية، أفراداً وقوى سياسية.

التمثيل الزائف الثالث هو ذاك الذي يختزل المسألة الكردية في «قسد»، منفردة أو في شراكة مع «حزب الاتحاد الديمقراطي»، إذ تكفلت ممارسات الطرفين في كشف الكثير من العجز عن السير بالوجود الكردي في سوريا إلى أكثر من برّ أمان سياسي وحقوقي ومدني وثقافي، وربما أخلاقي أيضاً؛ ليس تجاه المكونات السورية غير الكردية فقط، بل كذلك لدى شرائح غير قليلة من الكرد أنفسهم، في مناطق سيطرة «قسد» و«الإدارة الذاتية» تحديداً. وقبل انتهاكات «قسد»، التي فصّلتها منظمات حقوقية دولية مستقلة، كانت ميليشيات «الاتحاد الديمقراطي» قد استحقت من الكرد أنفسهم صفة «الشبيحة» حين فتحت النار على تظاهرة سلمية كردية في بلدة عامودا، فأردت ستة قتلى، وجرحت 20 آخرين. وكانت ممارسات عنف مماثلة قد تكررت ضدّ متظاهرين كرد في عفرين شمال حلب، وبعض مناطق محافظة الحسكة، وكوباني، وحيّ ركن الدين في دمشق.

ورغم تأخر ولادة «قسد»، بسبب من ارتباط نشوئها بقرار أمريكي، إلا أنّ الحراك الكردي المسلح شهد مسميات مثل «بيشمركة روجافا»، «وحدات حماية الشعب»، «وحدات حماية المرأة»؛ بينما الهيكل القيادي الفعلي ظلّ، بدرجات عالية ونوعية واستئثارية، مرتهناً بـ«حزب العمال الكردستاني» وحفنة محدودة من قيادات قنديل. ورغم ما يتردد عن وجود أجنحة متباينة داخل قيادة «قسد» تحديداً، فإن تقاسم الأدوار أقرب إلى أن يكون سيد اللعبة؛ الأمر الذي لا ينفي احتمال تبلور حال من التنازع أو حتى الانشقاق، في ضوء ما يشبه رفع الغطاء الأمريكي عن الكتل القيادية الراهنة، والخسائر العسكرية التي مُنيت بها القوى الكردية المسلحة مؤخراً.

ويبقى تمثيل زائف رابع، هو ادعاء «قسد» أنها عارضت نظام «الحركة التصحيحية»، وهذا زعم لا يفضحه تاريخ متكامل من التوافق أو التصالح أو التشارك مع جيش النظام والميليشيات المذهبية المناصرة له في العديد من مناطق سيطرة «قسد»، فحسب؛ بل كذلك إيواء أعداد من ضباط النظام البائد وتجنيد فلوله، وتوفير المساندة المادية والمعنوية لأوهام حكمت الهجري الانفصالية في السويداء. وليس عجيباً أنّ هذا التمثيل الزائف تحديداً هو الذي يُلحق الضرر الاشدّ بجماهير الكرد إجمالاً، فضلاً عمّن تبقى من أنصار «قسد» خصوصاً.

أربعة تمثيلات زائفة تكشفت اليوم، في إسار سيرورة تعد بانكشاف المزيد.

* كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

=========== 

القدس العربي

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…