الغضب الكردي: حين يسبق المجتمع السياسة

عدنان بدرالدين
ليس كل احتجاج حدثًا سياسيًا، لكن بعض الاحتجاجات تتحول إلى علامات فارقة. ما تشهده المدن الكردية اليوم، في أكثر من ساحة، وعلى أكثر من خط تماس، وفي الشتات أيضًا، يوحي بأننا أمام ظاهرة من هذا النوع: حراك شعبي واسع يسبق السياسة بدل أن يُقاد بها.
هذا الغضب لا يبدو موجة عابرة سببها قرار أو حادثة، بل أقرب إلى تراكم طويل انفجر دفعة واحدة. والأهم أنه انفجر بطريقة تضع المجتمع نفسه في المقدمة: الناس قبل النخب، والشارع قبل البرامج، والكرامة قبل الحسابات، أياً كانت.
حين «يتكلم الشارع» بلا وساطة
في مقاطع مصوّرة متداولة على نطاق واسع خلال الأيام الأخيرة، يظهر مشهد يصعب التعامل معه بوصفه حدثًا عابرًا أو احتجاجًا موسميًا. حشود بشرية تتدفّق في شوارع مدن كردية متباعدة جغرافيًا، لكنها متقاربة في الإيقاع والانفعال واللغة. لا تبدو هذه المشاهد كأنها مسيرات منظمة وفق بروتوكولات حزبية مألوفة، ولا كأنها طقوس تعبئة تقليدية، بل أقرب إلى اندفاع اجتماعي مباشر يخرج من البيوت والأحياء والأسواق إلى الفضاء العام دفعة واحدة، في أكثر من ساحة كردية، على خلفية تطورات حادة تمس أوضاع الكرد في أحد أجزائهم ذات الأهمية السياسية الخاصة.
اللافت في هذه المشاهد ليس فقط حجم التجمعات، بل طبيعة حضورها: رجال ونساء، شبّان وكهول، وأحيانًا أطفال يراقبون من الأرصفة أو يسيرون في أطراف الجموع. وتبرز النساء في الصفوف الأمامية يرفعن الشعارات ويرددن الهتافات بثقة لا تقل عن الرجال، بل تفوقهم أحيانًا في وضوح الصوت وحدّة النبرة. هذا الامتداد العمري والجندري لا يشير إلى تعبئة انتقائية، بل إلى مشاركة اجتماعية شاملة تجعل من الصعب حصر الحراك في فئة بعينها أو اختزاله في رد فعل نخبة أو تنظيم.
اللغة المستخدمة في الهتافات تميل إلى المباشرة والوضوح: هوية، كرامة، وجود، حقوق. لا زخرفة أيديولوجية، ولا استعارات عقائدية ثقيلة، بل مفردات أولية تكاد تكون «بدائية» بمعناها الإيجابي، صادرة من غريزة اجتماعية تشعر بأن شيئًا أساسيًا مهدَّد أو منتهك. وهذه البساطة في التعبير هي أحد أسرار قوة المشهد، لأنها تُخرج الخطاب من ضيق السياسة إلى آفاق الشعور الجمعي.
أما الفضاء الذي تتحرك فيه هذه الجموع فليس بلا دلالة. في بعض المقاطع تظهر الاحتجاجات في مناطق حدودية، أو في مدن تفصلها خطوط سياسية حادة لكنها تتشارك تاريخًا اجتماعيًا واحدًا. هنا لا يعود الاحتجاج مجرد رفض لإجراء أو سياسة، بل يتحول إلى استعادة رمزية لمجال اجتماعي قُطع قسرًا، وكأن الشارع يحاول، ولو للحظة، أن يلغي ما فرضته الجغرافيا السياسية من انقسامات.
ورغم حدّة الغضب الواضحة في الوجوه والأصوات، فإن الطابع العام لهذه التحركات يبدو سلميًا في جوهره. لا سلاح ظاهرًا، ولا مظاهر عسكرة، ولا لغة تحريض على عنف منظم. الغضب حاضر بقوة، لكنه يُعبَّر عنه بالجسد والصوت والحركة الجماعية، لا بالبندقية أو العبوة أو التخريب. وهذا التوتر بين غضب عارم وأداة سلمية هو ما يمنح المشهد ثقله السياسي والأخلاقي معًا: إنه غضب «لا يطلب الإذن»، لكنه «لا يطلب الدم» أيضًا.
في هذا المشهد الميداني، تبدو السياسة متأخرة خطوة على الأقل. فالمجتمع هنا لا ينتظر خطابًا يشرعن حركته، ولا بيانًا يحدد سقف مطالبه. إنه يتحرك أولًا، ثم يترك للسياسة، إن استطاعت، أن تلحق به بفارق زمني.
سمات اجتماعية لحراك غير مسبوق
ما يميّز هذا الغضب الشعبي أنه شامل اجتماعيًا. لا يقتصر على فئة عمرية أو طبقة أو جنس. حضور المرأة فيه ليس زخرفيًا ولا رمزيًا، كما عهدناه سابقًا، بل فاعل ومباشر، في الصفوف والهتافات وتنظيم الإيقاع الميداني. وهذا بحد ذاته تحوّل نوعي، لأن الحركات التي تُشرك النساء في مقدمة الفعل الجماهيري بعفوية تكون غالبًا أعمق أثرًا وأكثر رسوخًا اجتماعيًا.
كذلك، يبدو الحراك حتى الآن غير مؤدلج. فلا يتشكل وفق مرجعية ماركسية، ولا وفق الإسلام السياسي، ولا ضمن مشاريع فوق قومية، بل يتمحور حول الهوية الكردية والكرامة والحقوق. وهذا يمنحه طابعًا جامعًا، ويحرّره، مؤقتًا على الأقل، من قيود الاصطفافات الأيديولوجية التي استنزفت الحركة الكردية لعقود.
ومن السمات اللافتة أيضًا أنه عابر للحدود. ما يحدث في مدينة يتردد صداه في مدن أخرى، وفي الشتات الأوروبي خصوصًا، حيث تتكاثر الوقفات والمسيرات المتزامنة. هنا لا نتحدث عن تضامن رمزي فقط، بل عن شعور جمعي متزامن، كأن الجسد الكردي، رغم تقطيعه السياسي، ما زال يحتفظ بـ«جهاز عصبي واحد».
بين الحصانة من الاحتواء ومخاطر التفكك
حتى الآن، يبدو هذا الحراك ناشئًا بلا رأس واضح. وهذه مفارقة تستحق الانتباه: غياب القيادة يمنحه حصانة من الاستيلاء السريع ويجعل الالتفاف عليه أصعب، لكنه في الوقت نفسه يفتح باب المخاطر.
فأي حركة بلا آليات تمثيل أو تنسيق قد تصبح عرضة للتشتيت أو الاستنزاف أو انفجارات غضب غير محسوبة أو اختراقات تدفعها إلى مسارات لا تخدمها. هنا تظهر الحاجة إلى “عقل بارد” داخل الحراك نفسه: ليس لخلق «زعيم»، بل لخلق قواعد سلوك تحمي الحركة من الداخل، سلمية منضبطة، رفض التخوين، حماية الممتلكات العامة، منع الاستفزازات، وإبقاء المطالب على لغة حقوقية جامعة.
غياب القيادة ميزة لأنه يحول دون الاحتكار، لكنه يصبح خطرًا إن لم يتحول إلى تنظيم أفقي مرن قائم على وعي جماعي لا على هرمية سلطوية.
لماذا يخيف الأنظمة… ولماذا يقلق بعض النخب؟
الحراك السلمي الغاضب يخلق قلقًا خاصًا لدى الأنظمة، لأنه يكسر المعادلة التي تبرر القمع عادة: «الاحتجاج مسلح»، «المحتج إرهابي»، «محرك الاحتجاج عميل». عندما يكون الرفض جماهيريًا، مدنيًا، واسع المشاركة، يصبح القمع مكلفًا سياسيًا وأخلاقيًا.
لكن المفارقة أن القلق لا يقتصر على الأنظمة. بعض النخب السياسية نفسها، أينما كانت، تقرأ هذه الحركة بوصفها تهديدًا مباشرًا لمكانتها. فحين يتقدم المجتمع بلا وصاية، يسقط الامتياز الرمزي القائل إن السياسة وحدها تفهم مصلحة الناس. وفي لحظة كهذه يُعاد طرح السؤال المحرج: من يمثل من؟ ومن يدفع ثمن الخيارات فعليًا؟
فجوة الحجم بين المجتمع والسياسة
يكشف هذا الحراك فجوة يصعب إنكارها: مجتمع كبير، حقيقي، متعدد، يتألم ويطلب معنى، مقابل سياسة طالما بدت وكأنها أصغر من القضية. ليس المقصود هنا لغة تجريح، بل توصيف سياسي: حين يصبح المجتمع قادرًا على إنتاج لحظة تاريخية، بينما تبدو أدواته السياسية عاجزة عن تحويلها إلى مكسب، تظهر مشكلة تمثيل عميقة.
والأخطر أن هذه الفجوة لا تعني فقط فشلًا تكتيكيًا، بل تعني أن المجتمع بدأ يلمس، بغريزته، أن معاركه الكبرى لا تُخاض فقط مع خصومه التقليديين، بل أيضًا مع منطق إدارة القضية ذاته: منطق المناورات الدائمة، وتبرير الخسارة، وتسويق العجز بوصفه «واقعية».
خطر الالتفاف: الاستيلاء والتشويه والتخريب
كل حراك شعبي واسع يُغري بثلاث محاولات متوقعة: الاستيلاء عليه وتحويله إلى رصيد سياسي، أو تشويهه ودفعه إلى صور تُخيف الرأي العام وتبرر القمع، أو تخريبه من الداخل بعناصر استفزازية تعيد الأمور كلها إلى المربع الأمني.
غياب القيادة يحصّن جزئيًا، لكنه لا يكفي. ما يحمي هذا الحراك هو “ذكاء جماعي” يدرك أن قوته ليست في رفع سقف الغضب فقط، بل في منع تحويل الغضب إلى خطأ قاتل.
ما الذي يريده هذا الغضب؟
إذا كان لا بد من تلخيص المطالب دون الدخول في تفاصيل خلافية، فيمكن القول إن جوهرها هو: كرامة وحقوق وهوية داخل إطار سياسي لا يحوّل الشعب إلى ورقة، ولا يجعل وجوده رهينة تسويات الآخرين.
هذا ليس برنامجًا نهائيًا، لكنه بوصلة. والبوصلة هنا مهمة لأنها تجعل الحركة قابلة للتوسع والتعاطف، داخل المنطقة وخارجها، وتمنع اختزالها في صراعات نخب أو حساسيات حزبية.
بديلًا عن الخاتمة: حين يسبق المجتمع السياسة… لا يعود كل شيء كما كان
هذه اللحظة، بما تحمله من شمول وجرأة وسلمية غاضبة، قد تكون فرصة نادرة لإعادة تعريف القضية من الأساس: لا بوصفها ملفًا تتناوبه قنوات التفاوض، بل بوصفها إرادة مجتمع يرفض أن يخرج من التاريخ.
لكن الفرص لا تكفي وحدها. ما سيحدد مصير هذه الموجة هو: هل ستبقى ملكًا للناس، بلغتها القومية الحقوقية الجامعة، أم ستُسحب تدريجيًا إلى أساليب قديمة: صراعات داخلية، احتكارات تمثيل، وشعارات تُستخدم بدلًا من بناء قوة مجتمعية مستدامة؟
إذا كان المجتمع قد سبق السياسة اليوم، فالتحدي أن تُلحق السياسة نفسها بالمجتمع، لا أن تُعيد المجتمع إلى قيود السياسة.
22 يناير 2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
1 Comment
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
Ibrahim
Ibrahim
10 أيام

ثوروا على اصحاب الانفال فهم اكلي لحوم البشر

اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…