الحركة الكوردية بين تضخم الأحزاب وفقر الإنجاز

سليمان سليمان
ملاحظة نقدية صريحة حول واقع الحركة الكوردية في روج آفاي كوردستان: 
هل تحولت كثرة الأحزاب إلى عائق أمام الإنجاز السياسي
سؤال مؤلم ولكنه مشروع؟
لم تكن الحركة الكوردية في روج آفا كوردستان، في معظم مراحلها، على مستوى المسؤولية التاريخية التي كانت تفرضها تحديات القضية الكوردية. ويعود ذلك إلى أسباب متعددة، في مقدمتها طبيعة القيادات التي أدارت العمل الحزبي لعقود طويلة.
فكثير من القيادات لم تمتلك أدوات العمل السياسي الحديث، سواء من حيث التأهيل أو مهارات الحوار والتفاوض وإدارة المؤسسات. ومع كامل الاحترام لكل إنسان غير متعلم، فالقيمة الإنسانية لا تقاس بالشهادات، لكن الواقع يثبت أن العمل السياسي المعاصر يحتاج إلى معرفة وخبرة وقدرة على اتخاذ القرار ومواكبة 
التحولات السياسية المتسارعة، 
والأهم من ذلك أن يمتلك السياسي استقلالية في الرأي والقرار، وألا يتحول إلى تابعٍ يردد ما يملى عليه، وهي ظاهرة مؤسفة لا تزال حاضرة في واقعنا السياسي.
المشكلة لم تكن في الأشخاص فقط، بل أيضًا في الطريقة التي صعدوا بها إلى مواقع القيادة. 
فبعض القيادات جاءت نتيجة انشقاقات متكررة، وأخرى عبر المحسوبيات والعلاقات الشخصية. ومع مرور الوقت تحولت بعض المواقع الحزبية إلى ما يشبه المناصب الدائمة، حيث يبقى المسؤول في موقعه لسنوات طويلة دون تغيير حقيقي أو تجديد فعلي في الرؤية والأداء.
والنتيجة اليوم واضحة: تضخم كبير في عدد الأحزاب والهياكل القيادية، يقابله فقر ملحوظ في الإنجاز السياسي. عشرات الأحزاب ومئات القيادات، لكن السؤال الذي يفرض نفسه يبقى: ماذا تحقق فعليًا على الأرض؟
كما أن هذا التضخم الحزبي لم يؤد فقط إلى التشرذم السياسي فقط ، بل خلق أيضًا عبئًا تنظيميًا وماليًا. ففي الوقت الذي يعاني فيه كثير من أبناء شعبنا الفقر والمرض والحاجة، تصرف رواتب ومخصصات على قيادات وهياكل حزبية ومكاتب واجتماعات لا يلمس الناس أثرها الحقيقي. ولو وجه جزء من هذه الموارد إلى الفقراء والمحتاجين لكان أكثر نفعًا وعدالة.
المشكلة ليست في وجود الأحزاب بحد ذاته، فالتعددية السياسية ظاهرة صحية في أي مجتمع ديمقراطي، لكن الإشكالية تكمن حين تتحول الأحزاب إلى هياكل متضخمة وصراعات داخلية بدل أن تكون أدوات لخدمة القضية والمجتمع.
إن القضية الكوردية اليوم لا تعاني من قلة القيادات بقدر ما تعاني من كثرتها، ولا من نقص الشعارات بقدر ما تعاني من قلة البرامج والإنجازات.
ومع ذلك، لا بد من الإقرار بأن بين هذه القيادات أيضًا أشخاصًا يعملون بإخلاص من أجل القضية الكوردية ويستحقون الاحترام، لكن صوتهم غالبًا ما يضيع وسط ضجيج الهياكل المتضخمة وكثرة الأسماء وقلة الفعل.
ويبقى السؤال قائمًا:
هل تستطيع الحركة الكوردية أن تراجع نفسها بجرأة، وأن تعيد بناء عملها السياسي على أسس أكثر وحدة وفاعلية؟
سؤال مؤلم… لكنه مشروع.
فالقضية الكوردية أكبر من أن يختزل دور بعض أبنائها في مجرد كومبارس في مشهد سياسي لا يخدم شعبهم.
لأن التاريخ لن يسأل كم حزبًا كان لدينا،
بل سيسأل: ماذا فعلتم حين كانت القضية تحتاج إلى الفعل، لا إلى الشعارات، ولا إلى قيادات تكثر أسماؤها ويقل أثرها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

محسن مجدل اليوسف في الاونة الأخيرة تتعرض الجزيرة السورية إلى هجمة سياسية وجغرافية واجتماعية شرسة من قبل بعض المثقين العروبيين الحاقدين على الكورد، لتغيير حقيقة ان الكورد هم السكان الأصليين لها ويحاولون إثبات ذلك بشتى الوسائل. و بالمقابل يحاول المثقفون الشرفاء الملتزمين والغيورين بإظهار هذه الحقائق والوثائق التاريخية و كذلك إظهار الحقيقة و إن ما يصبون إليه هؤلاء العروبيون…

ولاتي مه – خاص: أعلن خمسة من أصل سبعة أعضاء في قيادة منظمة أوروبا التابعة لحزب الوحدة الديمقراطي الكُردي في سوريا انسحابهم من صفوف الحزب، وذلك عبر بيان سياسي صدر اليوم، أشاروا فيه إلى جملة من الأسباب التنظيمية والسياسية التي دفعتهم لاتخاذ هذا القرار، بعد ما وصفوه باستنفاد جميع محاولات الإصلاح الداخلي. ويأتي هذا التطور بعد أيام قليلة من إعلان…

د. حمدي سنجاري بعض الزيارات لا تُنسى. لا لأنها تُعرّفك على مكان، بل لأنها تضعك وجهاً لوجه مع معاناة بشر حقيقيين، وآمالهم التي لم تنطفئ بعد. وحين دعاني عدد كبير من أبناء سنجار، النازحين قبل أيام في دهوك وأربيل، وجدت نفسي أمام زيارة طالما أجّلتها أكثر مما ينبغي. هناك التقيت بسنجار الحقيقية. مسلمون، إيزيديون، مسيحيون. عرب وكورد وتركمان….

تلقى النائب كبرئيل موشي سلسلة من الاتصالات والرسائل من عدد من أحزاب الحركة الوطنية الكردية في سوريا، هنأته خلالها بمناسبة نيله عضوية مجلس الشعب السوري، متمنين له التوفيق والنجاح في أداء مهامه الوطنية وخدمة أبناء الوطن. وقد وردت هذه الاتصالات والرسائل من كل من: * الدكتور صلاح درويش سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا * السيد شلال كدو رئيس…