ثقافة الانتقام وخراب المجتمع والدولة

كفاح محمود

   أخطر ما يرافق سقوط الأنظمة أو تبدّل موازين الحكم ليس فراغ السلطة وحده، بل صعود “العدالة الغريزية” على حساب القانون، وهنا تتقدم ثقافة الانتقام لتصير بديلاً للدولة، فتتآكل الثقة، ويتحوّل التغيير من فرصة تأسيس إلى سلسلة تدمير متبادل لا تنتهي، ففي الانتقام الفردي تبدأ الحكاية بجريمة واحدة، لكنها نادراً ما تنتهي عند حدودها، كثيراً ما لا يكتفي ذوو القتيل بقتل الجاني، بل يمتدّ “القصاص” إلى ابنه أو أخيه أو ابن عمّه، وربما أكثر من شخص، بحجة أن العائلة كلها شريكة أو أن الردع لا يتحقق إلا بالتوسّع، وهكذا تُولد سلسلة انتقام: قتيل يقابله قتيل، ثم يُستدعى الماضي ليُبرّر الحاضر، فتغدو السنوات سجلاً للثأر لا للحياة، ويتضخم المنطق نفسه حين ينتقل إلى العشيرة: يتحول الفرد إلى “عنوان”، وتتحول الجريمة إلى “إهانة”، وتتحول الدية أو الصلح إلى ضعف، فيُستبدل القضاء بعُرفٍ مسلّح، وتُقفل أبواب التسوية، وتُفتح أبواب حرب صغيرة دائمة داخل المجتمع.

  أما الانتقام السياسي فهو الأخطر لأنه يرتدي زيّ الدولة، بعد الانقلابات في بلدان العالم الثالث، كثيراً ما تتحول أجهزة الحكم الجديدة إلى أدوات تصفية: اعتقالات بالجملة، محاكمات شكلية، إقصاء إداري، تشويه إعلامي، واغتيالات مقنّعة، ففي العراق مثلا، تذكر الذاكرة السياسية أن موجة العنف التي أعقبت انقلاب شباط/فبراير 1963 اتسمت بانتقام واسع ضد خصوم السلطة، وقدّرتها روايات وشهادات متعددة بأنها طالت آلافاً من الشيوعيين وأنصار الزعيم عبد الكريم قاسم، في مشهدٍ كرّس فكرة أن الدولة تُدار بمنطق الثأر من الخصم لا بمنطق الاحتكام إلى الدستور والقانون.

  وتكررت الحلقة بصورة أكثر تعقيداً بعد سقوط نظام البعث عام 2003: تصفيات واغتيالات استهدفت بعثيين وضباطاً وطيارين وأكاديميين وغيرهم، بعضها جرى تحت شعار اجتثاث الماضي، وبعضها كان تصفية حسابات أو صراع نفوذ، والأخطر ما ورد من استهدافهم من قبل مخابرات إقليمية قريبة من العراق، ثم انفلت الانتقام الطائفي على نطاق مروّع: قتلٌ جماعي واستهداف على الهوية، ودوامة دم امتدت سنوات، وبلغت ذروات مأساوية مع صعود (داعش) من جهة، وتمدّد ميليشيات خارج منطق الدولة من جهة أخرى، لتتحول الجريمة إلى سياسة، والسياسة إلى هوية قاتلة، والسلم الأهلي إلى رهينة.

  وسط هذا المشهد، تبرز قيمة النموذج الذي يرفض إغراء الرد بالمثل، بعد آذار 1991، وفي لحظة كان يمكن أن تُفتح فيها أبواب ثأر واسع في كردستان، حيث اختارت قيادتها المتمثلة بالزعيم الكردي مسعود بارزاني مساراً مختلفاً عبر العفو العام وتثبيت فكرة أن بناء الدولة يبدأ من كسر حلقة الانتقام، ويتذكر اقطاب المعارضة العراقية الذين حضروا مؤتمر لندن عام 2002 ما قاله البارزاني حول الانتقام من النظام الحاكم حينها في حال سقوطه، قال لهم: لقد قتل النظام ورئيسه العشرات من عائلتي والالاف من عشيرتي واكثر من 180 الف من شعبي، فهل أقوم بتنفيذ الانتقام من عائلته وعشيرته وشعبه!؟

  إن تحويل العدالة إلى معادلة أرقام مضادة سيجعل العراق بحراً من الدماء، ويقتل أي فرصة لدولة مدنية ديمقراطية تقوم على التعايش، فالانتقام يُنتج انتقاماً مضاداً، ويُحوّل المجتمع إلى عشائر سياسية متقاتلة، والطريق الوحيد لتجفيف منابعه هو قضاء مستقل وعدالة انتقالية تفصل بين المسؤولية الفردية والهوية الجماعية، وتمنع تعميم الذنب، وتعيد للدولة معناها: احتكار القانون… لا احتكار الثأر.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني مع اقتراب الحادي والعشرين من آذار من كل عام، تتجه أنظار ملايين الناس في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى إلى عيد عريق يحمل في طياته معاني التجدد والانبعاث. إنه نوروز، العيد الذي يحتفل به العديد من شعوب المنطقة باعتباره بداية الربيع وبداية عام جديد في الذاكرة الثقافية والحضارية. غير أن لهذا العيد معنى أعمق وأكثر خصوصية لدى الشعب الكوردي،…

خالد حسو تشكل المواقف الإيجابية الصادرة من الأفراد والشخصيات العربية وغير العربية، والجهات الرسمية وغير الرسمية تجاه القضية الكوردية والشعب الكوردي مؤشراً أساسياً على إمكانية بناء حوار سياسي مسؤول ومستدام. كل خطوة إيجابية، مهما كانت محدودة، تُسهم في تعزيز التفاؤل وتبث روح الأمل بين جميع المكونات، وترسخ مفهوم الشراكة الوطنية القائمة على العدالة والحقوق المتبادلة. هذه المواقف تعكس إدراكاً مشتركاً…

اكرم حسين في تاريخ الشعوب والثورات، هناك رموز تتجاوز أدوارها السياسية المباشرة لتصبح علامات فارقة في مسار الوعي الجمعي ، ومن بين هذه الرموز، يبرز اسم الشهيد مشعل التمو كحالة إشكالية تتحدى القراءات الاختزالية، وتضعنا أمام ضرورة تفكيك العلاقة بين القومي والوطني، الهوية والمواطنة، المشروع السياسي والعمق الوجودي. استحضار مشعل التمو اليوم يضعنا أمام مسؤولية كبرى ، إما أن…

عبداللطيف محمدأمين موسى في خضم زيادة منحى الصراع وتعدد مساراتها، تبقى وتيرة الصراع العسكري مرشحة للتوجه والاتساع نحو مزيداً من التعقيد، من خلال زيادة التوقعات واحتماليات اتساع الصراع لتشمل بلورة تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، لتأمين ممرات مرور الطاقة في مضيق هرمز، وكما تُشير أغلب التوقعات لدى مراكز الدراسات المتعلقة بالأمن القومي في زيادة احتمالات توجه الولايات المتحدة الأمريكية…