الكوردي بين نار الأعداء وخناجر الخونة

خالد حسو

 

يولد الإنسان الكوردي وليس له من الإرث سوى الحلم، ولا من اليقين سوى الجرح. يولد وهو يعلم أن اسمه موضع إنكار، وأرضه مطمع دائم، ووجوده بندٌ مؤجَّل في دفاتر القوى. ومع ذلك، لا يتنازل عن الحلم؛ حلم موطئ قدم تحت شمس لا تُصادَر، وجبلٍ لا يخون، ووطنٍ لا يُقايَض …

الحياة عند الكوردي ليست مجرد بقاء، بل موقف أخلاقي وتاريخي. ما دام حيًّا، فإن الاستسلام مستحيل، لأن الإرادة عنده ليست خيارًا بل شرط وجود، ولأن الإيمان بعدالة القضية يحوّل الزمن من عبء إلى سلاح. يتقدّم نحو مستقبله مدركًا أن الطريق مفخّخ: من الأمام نيران الأعداء، ومن الخلف خناجر الخونة، وعلى الجانبين صمتٌ دوليٌّ فاضح لا يقلّ قسوة …

الأعداء يواجهونه بالقوة العارية، والخونة يطعنونه باسم القرب والانتماء، لكن الكوردي تعلّم من الجبل كيف يقف دون ضجيج، ومن التاريخ كيف يصبر دون نسيان، ومن الألم كيف يتحوّل إلى وعي. كل خيانة كشفت له وجهًا، وكل معركة صقلته، وكل سقوط لم يكن إلا ولادة جديدة أكثر صلابة ووضوحًا …

ظنّوا أن كثرة الطعنات تُنهكه، ولم يفهموا أن من اعتاد النزف لا يموت بسهولة، وأن من جعل الحرية عقيدة لا يُهزم مهما طال الليل وتبدّلت الأقنعة. فالقضية التي وُلدت من حق لا تُدفن، والشعب الذي يحرس ذاكرته بالوعي لا يُكسر، ولو اجتمع عليه الأعداء وتكاثر الخونة وتواطأ الصمت …

الكوردي لا يطلب المستحيل؛ يطلب حقه الطبيعي في الحياة، في الاسم، في الأرض، وفي القرار. وما دام هذا الحق حيًّا في الذاكرة، فإن الغد—مهما تأخر—آتٍ، لأن الشعوب التي لا تنسى، لا تُمحى ………

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…