اتفاق شراكة أم وثيقة استسلام؟

صلاح عمر

في السياسة، ليست الكلمات بريئة، ولا الوثائق محايدة، ولا التواقيع نهاية المعنى بل بدايته. وما أُعلن عنه بوصفه اتفاق وقف إطلاق نار واندماج بين الرئاسة السورية المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية، يفرض علينا – ككرد قبل أي توصيف آخر – أن نتوقف طويلًا أمام النص لا أمام العناوين، وأمام المضمون لا أمام النوايا المعلنة.
السؤال الجوهري الذي لا يجوز الهروب منه هو:
هل نحن أمام اتفاق شراكة سياسية حقيقية، أم أمام وثيقة استسلام مقنّعة بلغة سياسية ناعمة؟
عند قراءة البنود بندًا بندًا، يتضح أن جوهر الوثيقة لا يؤسس لشراكة بين طرفين متكافئين، بل يرسم مسار تفكيك تدريجي لكل ما راكمه الكرد خلال سنوات من التضحيات السياسية والعسكرية والإدارية، تحت شعار “إعادة بسط سيادة الدولة” و”الاندماج الكامل”.
وقف إطلاق النار، من حيث المبدأ، مطلب إنساني وسياسي لا يختلف عليه اثنان، لكن الخطورة تكمن في الثمن السياسي الذي يُدفع مقابله. فالوثيقة لا تتحدث عن وقف متبادل متكافئ، بل تربطه بانسحاب شامل لتشكيلات “قسد” من الجبهات، وتسليم المناطق، والمؤسسات، والموارد، والمعابر، والملف الأمني، وصولًا إلى النفط والغاز، دون أي ضمانات دستورية صريحة ومُلزمة تتعلق بالحقوق القومية الكردية أو شكل الدولة السورية القادمة.
الاندماج الذي تطرحه الوثيقة ليس اندماجًا تفاوضيًا ضمن عقد سياسي جديد، بل إلحاق إداري وأمني وعسكري ضمن هياكل الدولة المركزية، مع وعود عامة فضفاضة عن “حماية خصوصية المناطق الكردية”، وهي عبارات خبرها الكرد تاريخيًا، وكانت دائمًا مقدمة لإنكار جديد بصيغة مختلفة.
الأخطر من ذلك، أن الوثيقة تُفرغ “قسد” من دورها السياسي، وتعيد تعريفها كقوة يجب حلّها داخل وزارتي الدفاع والداخلية، بعد “تدقيق أمني”، في حين يتم تغييب أي حديث عن:
شكل الحكم في شمال وشرق سوريا
اللامركزية السياسية أو الفيدرالية
الاعتراف الدستوري بالكرد كشعب أصيل
الشراكة في القرار السيادي لا مجرد التمثيل الوظيفي
أما البنود المتعلقة بإخراج قيادات وعناصر حزب العمال الكردستاني غير السوريين، فهي تُدرج ضمن خطاب سيادي مفهوم من حيث الشكل، لكنها عمليًا تُستخدم كورقة تطمين إقليمية، لا كجزء من حل وطني شامل، وتُقدَّم كتنازل مجاني دون مقابل سياسي كردي واضح.
الوثيقة، في مجملها، تُخاطب دمشق من موقع المنتصر الذي يرى أن “الإطار العام قد حُسم”، بينما تُترك “قسد” تبحث عن ضمانات مؤجلة في ظل تراجع المظلة الدولية، وتبدّل أولويات اللاعبين الكبار، وتنامي الضغط التركي. وهذا اختلال جوهري في ميزان التفاوض، لا يمكن تسويقه بوصفه شراكة.
الشراكة الحقيقية لا تُبنى على تسليم كل الأوراق لطرف واحد، ولا على وعود غير دستورية، ولا على تغييب الشعب الكردي وقواه السياسية عن طاولة القرار.
الشراكة تُبنى على الاعتراف، والضمانات، والتوازن، والوضوح.
إن أخطر ما في هذه الوثيقة ليس ما كُتب فيها فقط، بل ما لم يُكتب: لم تُذكر كلمة واحدة صريحة عن الحقوق القومية الكردية، ولا عن اللغة، ولا عن الإدارة الذاتية، ولا عن مستقبل التمثيل السياسي الكردي، وكأن المطلوب من الكرد أن يدفعوا ثمن الاستقرار، مرة أخرى، من وجودهم السياسي.
لهذا، فإن توصيف هذه الوثيقة كـ”اتفاق شراكة” هو قفز فوق الوقائع، وتغليف سياسي ناعم لمسار يحمل في طياته تفكيك القوة مقابل وعود غير مضمونة. والوعي السياسي يفرض علينا أن نقول بوضوح:
السلام دون حقوق ليس سلامًا،
والاندماج دون شراكة ليس اندماجًا،
والدولة التي لا تُبنى على الاعتراف الحقيقي، تعيد إنتاج أزماتها بأدوات جديدة.
الصدق في السياسة، كما في التاريخ، هو تلازم الأقوال مع الأفعال. وأي اتفاق لا يُثبَّت في دستور واضح، بضمانات دولية، وبإرادة كردية موحدة، سيبقى مجرد وثيقة… قابلة للانقلاب عليها عند أول منعطف.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

في خطوة اعتبرتها إيجابية لكنها غير مكتملة، أصدرت مجموعة من الأحزاب السريانية الآشورية في سوريا بيانا مشتركا تناول موقفها من المرسوم رقم /13/ لعام 2026 الصادر عن الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع، والمتعلق بإقرار الحقوق الثقافية والمدنية للمواطنين الكُرد. ورحبت الأحزاب الموقعة بالمرسوم بوصفه تقدما في مسار الاعتراف بالتعدد القومي والثقافي في البلاد، مؤكدة في الوقت ذاته ضرورة استكماله…

أحمد اسماعيل اسماعيل أخوة الشعوب الديمقراطية والأنفاق.. هل ثمة من يخبرنا ماذا كانت الفائدة منهما؟ بل بتعبير أدق: مقدار الضرر منهما؟ أما عدا ذلك من تواطئ وصمت وخداع أمريكا وتركيا وووو.. فهذا خارجي ومكرر في تاريخ الكرد للمرة الألف. المهم . السلام لبلدنا والأمان لشعبنا. والتمنيات الطيبة أن تكون النوايا صادقة والاتفاق دااااائم. https://www.facebook.com/ahmad.ismail.982/posts/pfbid0xEwhvCuRUbycSkbSJifPHBFGvG5anCm8M2yr5q6QDP7aEV3uNnP11sYLVi98kMmdl

د. فريد سعدون أين بائعوا الأوهام القابعون في أربيل وكندا وأوروبا ودبي، الأبواق التي أوردت الناس المهالك وحشدت وجيشت وحرضت وخلقت الفتنة بين الكورد والعرب في سوريا، .. هؤلاء الأبواق الذين كانوا ينامون و يستيقظون ويأكلون ويشربون وهم جالسون وراء شاشة الحدث والجزيرة والفيسبوك ويبيعون الناس عنترياتهم…

غسان شربل طلبَ الجنرال مظلوم عبدي من الرئيس أحمد الشرع ما لا يستطيع تقديمَه. لا يستطيع الشرع توزيعَ «سوريا الجديدة» على مكوناتها. اللامركزية الفعلية للمناطق الكردية تطرحُ على الحكم موضوعَ علويي السَّاحل ودروز السويداء. من دون سلطةٍ مركزيةٍ قويةٍ لا يمكن إغلاقُ الملعبِ السوري أمام اللاعبين الإقليميين. لا بدَّ من سوريا متماسكة للاستقرار الإقليمي. لا بدَّ منها لمنع عودةِ إيران….