معضلة اختيار الرئاسات في العراق

كفاح محمود

ما إن تُصدّق نتائج الانتخابات حتى يبدأ سباق لا يقل ضجيجاً عن الحملات نفسها: سباق «الرئاسات الثلاث» في العراق، حيث النظام برلماني وتتشكل الحكومات عبر تحالفات متحركة، لا تتحوَّل صناديق الاقتراع تلقائياً إلى سلطة مستقرة، بل إلى مفاوضات طويلة: من يملك الأكثرية؟ من يملك حق التعطيل؟ وما ثمن المرور من مرحلة إلى أخرى؟ لذلك تبدو الدولة، في كل دورة، كأنها تعيد اختبار قدرتها على تحويل الأرقام إلى مؤسسات تعمل لا إلى منابر تتصارع، علما بأن الدستور يرسم تسلسلاً واضحاً: جلسة أولى لانتخاب رئاسة البرلمان ونائبيه، ثم انتخاب رئيس الجمهورية، ثم تكليف مرشح «الكتلة النيابية الأكبر» بتشكيل الحكومة، غير أن التجربة السياسية العراقية اعتادت أن تجعل من النصوص واجهة، ومن العُرف السياسي غرفة التحكم، فالمواعيد الدستورية تُستَحضر عند الحاجة، لكن تطبيقها يبقى رهيناً بمعادلات القوة داخل البرلمان وخارجه، وبقدرة الأطراف على استخدام التعطيل كورقة تفاوض لا كاستثناء اضطراري، وهنا تتسع المسافة بين الدولة بوصفها نظاماً، والسياسة بوصفها صراعاً على النفوذ.

في هذا السياق، لا يعود عنوان السؤال مجرد بلاغة: تراجيديا أم كوميديا؟ هي تراجيديا حين يتحول التأخير إلى كلفة مباشرة على حياة الناس؛ لأن حكومة تصريف الأعمال لا تستطيع إطلاق إصلاحات كبرى ولا اتخاذ قرارات استراتيجية، فيما تتراكم مشكلات الخدمات والبطالة وإدارة الموارد، وهي كوميديا حين تُقدَّم المساومات على أنها توافق وطني، بينما تُدار أحياناً بمنطق المقايضة: منصب مقابل وزارة، دعم مقابل امتياز، أو تعطيل مقابل ضمانات، وبين التراجيديا والكوميديا يضيع جوهر السياسة: إنتاج حكومة ببرنامج واضح تُحاسَب عليه.

المفارقة أن الدستور لا يفرض تقاسماً هوياتياً للرئاسات، لكن العرف الذي ترسّخ منذ 2003 صنع معادلة شبه ثابتة: رئاسة الوزراء للشيعة، ورئاسة البرلمان للسنة، ورئاسة الجمهورية للكُرد، وقد قُدِّمت هذه المعادلة يوماً كآلية تطمين بعد انهيار الدولة القديمة، لكنها تحولت تدريجياً إلى قيد عندما غابت معايير الحكم الرشيد، فبدل أن تكون الرئاسات وظائف دولة تُدار بمعايير الكفاءة والرؤية، صارت في كثير من الأحيان علامات مُلكية سياسية، تُستخدم لتثبيت النفوذ داخل المنظومة أكثر مما تُستخدم لإدارة الدولة، والمشكلة الأعمق أن كل مكوّن ليس كتلة واحدة، فداخل البيت الشيعي تتقاطع حسابات الكتلة الكبرى مع طبيعة التحالفات العابرة للقوائم، ومعادلة النفوذ بين من يريد استمرار حكومة قائمة ومن يسعى إلى بديل يضمن له مساحة أوسع داخل الدولة، كما لا يمكن فصل هذا التنافس عن ظل السلاح خارج المؤسسة، وما يخلقه من تأثير غير معلن على سقف القرار السياسي، وفي البيت السني تتجسد الانقسامات حول رئاسة البرلمان تحديداً؛ إذ تتحول الرئاسة إلى بوابة تفاوض على الحكومة والحقائب والقرار، فتغدو المعركة على المنصب معركة على موقع داخل المنظومة أكثر من كونها معركة على وظيفة تشريعية ورقابية.

أما في البيت الكُردي، فالحساسية مضاعفة، لأن رئاسة الجمهورية ليست مجرد عنوان رمزي، بل حلقة مفصلية في انتقال العملية إلى مرحلة تكليف رئيس الوزراء، وعندما ينقسم الموقف الكُردي على مرشح، أو تتداخل الشروط الاتحادية مع شروط الإقليم، يصبح المنصب عنق زجاجة قادراً على تجميد السلسلة كلها، هذا الخلل البنيوي لا يأتي من صلاحيات الرئيس بقدر ما يأتي من آلية انتخابه واستثماره السياسي، إذ تُستخدم الاستحقاقات الكبرى أحياناً لتصفية صراعات داخلية أو لإعادة ترتيب تفاهمات أوسع مع بغداد.

في الديمقراطيات البرلمانية، التفاوض ليس عيباً، لكنه يصبح أزمة عندما لا يكون على برنامج، وفي التجربة العراقية الحديثة، كثيراً ما يدور التفاوض على توزيع السلطة لا على مضمونها: ماذا ستفعل الحكومة في الطاقة والمياه والتعليم والصحة؟ كيف ستعالج خلل الاقتصاد الريعي والبطالة؟ كيف ستضبط السلاح وتفرض القانون؟ وكيف ستعيد تعريف العلاقة بين الحكومة الاتحادية والإقليم على أساس الدستور والشراكة الفعلية؟ عندما تغيب هذه الأسئلة عن طاولة التفاهمات، تصبح الرئاسات عناوين لحماية المصالح، لا أدوات لإدارة الدولة.

كسر الحلقة لا يحتاج خطباً أعلى صوتاً، بل قواعد أعلى إلزاماً: أولاً: إعلان تحالف حاكم ببرنامج مكتوب وعلني يتضمن أولويات قابلة للقياس وجداول زمنية، وربط توزيع المناصب والحقائب بالتزامات محددة لا بوعود عامة. ثانياً: احترام المدد الدستورية بوصفها ضمانة استقرار لا ورقة ضغط؛ لأن ترحيل الاستحقاقات يخلق فراغاً يفتح أبواب التدخلات، ويضاعف تكلفة القرار على الاقتصاد والأمن. ثالثاً: إعادة تعريف معنى الشراكة؛ فالشراكة ليست أن يحصل كل طرف على «حصة» ترضي جمهوره، بل أن يشعر الجميع بأن الدولة تعمل للجميع، وأن الرئاسات الثلاث تتكامل مؤسساتياً: برلمان يشرّع ويراقب، ورئاسة جمهورية تحمي الدستور، وتدفع نحو الاستقرار، ورئاسة وزراء تمارس التنفيذ، وتقبل المحاسبة.

عندها فقط يتحول اختيار الرئاسات من موسم للجدل، إلى خطوة أولى لبناء حكومة تُحاسَب بدل أن تُساوَم، فالديمقراطية ليست احتفالاً بالانتخابات، بل اختبار لقدرة النظام على إنتاج حكومة في موعدها وبأقل تكلفة على الناس وبأكبر قدر من المعنى الوطني، وما لم تتحول الرئاسات من حصص إلى مؤسسات، ستبقى كل دورة انتخابية افتتاحاً لموسم جديد من المسرح نفسه.

===========

الشرق الأوسط

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عدنان بدرالدين في عموده الأخير بصحيفة “نيويورك تايمز”، يقدم توماس فريدمان قراءة متفائلة – وإن بدت حذرة – للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، معتبرًا أن إضعاف النظام القائم قد يفتح الباب أمام شرق أوسط أكثر عدلاً وشمولية، إذا ما تمكن “الشعب الإيراني” من تقرير مصيره. ويرى أن الضربات العسكرية، رغم كلفتها وتعقيداتها، قد تفضي إلى نسخة أقل تهديدًا من الجمهورية…

ماجد ع محمد بعد التنازلات الكبرى والتخبط الفاضح في تذبذب الخطاب السياسي، من مراقي الأهداف العظمى نزولاً إلى درك اللامطالب، يتساءل طيفٌ لا بأس به من المتنورين الكرد عن سر بقاء حشدٍ هائلٍ من أبناء المجتمع الكردي متعلقاً بشخص زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان، في الوقت الذي يرون فيه أن أوجلان كسياسي هو ليس أهلاً للتعظيم ولا للتوقير حتى،…

ماهين شيخاني منذ تصاعد الضربات الامريكية والتوترات الإقليمية حول إيران، عاد سؤال قديم إلى الواجهة: هل يمكن أن تتكرر تجربة جمهورية مهاباد بصيغة جديدة؟ السؤال ليس عاطفياً بقدر ما هو جيوسياسي. فالتاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكنه يخلق أحياناً ظروفاً متشابهة تستدعي المقارنة. أولاً: مقارنة تاريخية – ما بين 1946 واليوم عام 1946، نشأت جمهورية مهاباد في سياق استثنائي: وجود…

عبد الرحمن حبش منذ انتصار الثورة عام 1979 تحولت إيران من دولة إقليمية تقليدية إلى مشروع سياسي أيديولوجي عابر للحدود بنى نفوذه على شبكة تحالفات عسكرية وأمنية ممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط. لذلك فإن أي انهيار محتمل للنظام القائم في طهران لن يكون حدثا داخليا معزولًا بل زلزالًا جيوسياسيا يعيد رسم خرائط التوازن في الشرق الأوسط ويضع المنطقة أمام…