الرئيس بارزاني.. مركز القرار في معادلة الاستقرار

جليل إبراهيم المندلاوي

 

في ظلّ التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، يبرز اسم الرئيس مسعود بارزاني بوصفه مرجعية وطنية راسخة وشخصية سياسية ذات ثقل إقليمي ودولي بات حضورها محلّ تقدير لدى قادة دول المنطقة والعالم، ويعود هذا الموقع إلى تراكم طويل من التجربة السياسية وإلى قدرة على الموازنة بين الثبات على الحقوق المشروعة والمرونة في اعتماد الوسائل، الأمر الذي جعل من حضوره السياسي عاملاً حاسماً في مقاربات الاستقرار الإقليمي وصياغة التفاهمات المرتبطة بمستقبل الشعوب، ولا سيما شعب كوردستان الذي عانى عبر تاريخه من سياسات الإقصاء والتهميش والاضطهاد، وهذا الدور لم يكن وليد اللحظة أو نتاج ظرف سياسي طارئ، بل هو حصيلة مسار طويل من النضال السياسي وتجربة قيادية تراكمت عبر عقود من العمل الدؤوب في بيئة إقليمية شديدة التعقيد والتقلب.

لقد تبنّى الرئيس بارزاني نهجاً قيادياً يقوم على فلسفة سياسية ترتكز على انتزاع الحقوق المشروعة عبر الوسائل السلمية والدبلوماسية، وضمن الأطر القانونية والدستورية المعترف بها، ولا يعكس هذا النهج حكمة رجل دولة مخضرم فحسب، بل يُجسّد أيضا استجابة واعية لدروس التاريخ القاسية التي دفعت الأجيال الكوردية المتعاقبة ثمنها الباهظ، فلم يكن هذا النهج خياراً تكتيكياً، بل قناعة راسخة تشكلت من رحم من الذاكرة التاريخية ومن إدراك عميق لطبيعة المأساة الكوردية بوصفها مأساة تاريخية، وليست مجرد سلسلة من الأحداث المعزولة، فالإبادة الجماعية، والتهجير القسري، وسياسات الصهر القومي التي تعرض لها شعب كوردستان، أسست وعياً سياسياً جديداً قوامه أن أي مشروع تحرري لا يستند إلى الشرعية القانونية والدستورية، ولا يحظى بقبول إقليمي ودولي، يبقى مشروعا هشّا وعرضة للانكسار وإعادة إنتاج المأساة.

لذا فإن مشروع الرئيس بارزاني لا ينحصر في تحقيق مكاسب آنية أو مرحلية، بل يتجاوز ذلك إلى بناء ضمانات سياسية وأخلاقية تحول دون تكرار المآسي التي شهدها شعب كوردستان، سواء في العراق أو في عموم جغرافية كوردستان التاريخية، كما تقوم فلسفته السياسية على ترسيخ الاستقرار وبناء الشراكات وتحويل القضية الكوردية إلى قضية حقوقية وسياسية ذات بعد إنساني دولي، بما يضمن حمايتها واستدامتها في النظامين الإقليمي والدولي.

ولهذه الأسباب اكتسب الحراك الدبلوماسي المكثف الذي تشهده أربيل عاصمة إقليم كوردستان أهمية استثنائية إذ يعكس انتقال مركز الثقل في إدارة بعض أزمات المنطقة من ساحات الصراع إلى طاولات الحوار، كما يُجسّد التكثيف غير المسبوق في اللقاءات رفيعة المستوى التي تحتضنها المدينة حجم الثقة الدولية بقيادة إقليم كوردستان، وبالدور المتوازن الذي يضطلع به الرئيس بارزاني، فإن وجود المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا في أربيل، وإجراؤه مباحثات مباشرة مع الرئيس بارزاني حول سبل معالجة تعقيدات المشهد في (غرب كوردستان) في سوريا، لا يمكن النظر إليه بوصفه حدثا بروتوكوليا عابرا، بل يشكل مؤشرا واضحا على اعتراف عملي بدور الرئيس بارزاني في هندسة التوازنات الدقيقة بين الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين، كما يُعدّ هذا التطور دليلاً قاطعاً ومتجدداً على حجم التأثير الفعلي المباشر الذي يتمتع به الرئيس بارزاني في الإسهام برسم ملامح مستقبل المنطقة وتعزيز استقرارها.

إن اختيار أربيل منصةً لهذا الحوار لا يعكس فقط المكانة السياسية والشخصية للرئيس بارزاني، بل يؤشر أيضاً إلى الدور المتنامي لإقليم كوردستان بوصفه فاعلاً إقليمياً موثوقاً. وقادرا على توفير بيئة سياسية آمنة للحوار وصياغة التفاهمات في واحدة من أكثر مناطق العالم تعقيدا واضطرابا.

لقد بات إقليم كوردستان بقيادة الرئيس بارزاني يضطلع بدورٍ محوري وتاريخي في صياغة التفاهمات السياسية المتعلقة بمستقبل سوريا وغرب كوردستان وذلك في لحظة إقليمية بالغة التعقيد تتسم بتداخل المصالح الدولية وتشابك الأزمات الداخلية، ولم تعد القضية محصورة في إطار المطالب القومية فحسب، بل أصبحت جزءاً من سؤال أكبر يتعلق بشكل الدولة، وحقوق مكوّناتها، وآليات منع عودة الاستبداد من جهة والانزلاق مجددا نحو الفوضى من جهة أخرى، وهذا الدور الذي يتبناه إقليم كوردستان لا ينبع من فراغ، بل يستند إلى شبكة علاقات متوازنة نسجها عبر سنوات من العمل السياسي والدبلوماسي، وإلى قدرته على التواصل مع أطراف تتباين مصالحها إلى حدّ التناقض، من دمشق إلى قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ومن أنقرة إلى العواصم الغربية، وهو ما يمنح الإقليم موقعا وسيطا فاعلا، قادرا على تقريب وجهات النظر، والمساهمة في بلورة مقاربات سياسية واقعية، لذا فإن جلوس الأطراف الفاعلة على طاولة الحوار في عاصمة الإقليم يتجاوز بعده البروتوكولي ليؤكد حقيقة استراتيجية مفادها أن الإقليم لم يعد مجرد كيان إداري ضمن معادلة داخلية، بل بات نقطة ارتكاز حقيقية للاستقرار الإقليمي، ومساحة آمنة لإنتاج الحلول السياسية، ليبرز دور الرئيس بارزاني بوصفه ضامنا أخلاقيا وسياسيا لهذا المسار، مستنداً إلى رصيده التاريخي ومكانته السياسية، وعلى هذا الأساس يمكن قراءة الدور الذي يضطلع به باعتباره إعادة تعريف لمفهوم القيادة في الشرق الأوسط، قيادة لا تقوم على منطق الغلبة، بل على إنتاج التوازن، ولا تسعى إلى تصدير الأزمات بل إلى احتوائها، ولا تراهن على الشعارات، بل على بناء الشرعية الدولية والتوافقات طويلة الأمد.

إن الدور المحوري الذي يؤديه الرئيس بارزاني اليوم لم يعد محلّ نقاش، ولم يعد يندرج في إطار التوصيف الإعلامي أو الانطباع السياسي العابر، بل أصبح حقيقة استراتيجية راسخة في الوعي السياسي الإقليمي والدولي وجزءا من البنية العميقة لإعادة تشكيل المنطقة، فهو يجمع بين الذاكرة التاريخية والرؤية الاستراتيجية، وبين الواقعية السياسية والمسؤولية الأخلاقية ما يجعله يمثل صوتا للعقلانية السياسية في منطقة مثقلة بالاضطرابات، وركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي، فمن خلال قيادته استطاع أن يحوّل معاناة شعبه إلى قوة دافعة لبناء نموذج سياسي قائم على الحوار والشرعية والاستقرار، وأن يجعل من إقليم كوردستان مساحة أمل في منطقة أنهكتها الصراعات، ليواصل الإقليم ترسيخ مكانته كفاعل أساسي في صناعة السلام وتعزيز الاستقرار، لتغدو أربيل ليس مجرد عاصمة لإقليم، بل عنواناً لمرحلة جديدة في تاريخ التوازنات السياسية في الشرق الأوسط.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…