الرئيس مسعود البارزاني وعقدة الانقسام السياسي في الحالة الكردية السورية 

مموجان كورداغي *

 الكورد في سورية يعيشون منذ فجر التاريخ على أرضهم التاريخية، ولكن بعد مجيء الإستعمار الأوربي الحديث إلى المنطقة جلبو معهم مأساة إضافية إلى الحالة الكوردية السورية حيث قسموهم بين أربعة كيانات مصطنعة في كل من سورية وتركية والعراق وإيران وتعدّ حالتهم من أكثر الحالات تعقيدًا في المشهد السياسي الكردي العام،

وهنا ننوه ليس فقط بسبب سياسات الأنظمة السورية الممنهجة بحقهم مثل تطبيق مشروع الحزام العربي الذي عمل النظام من خلالها إلى جلب العرب من محافظتي الرقة وحلب وإنشاء مستوطنات لهم وإسكانهم في الأراضي الكوردية التي احتجزوها تحت أسم الحركة التصحيحية وعمد قوانين تمنع الكورد من التملك وإعتبار مناطقهم حدودية وتجريدهم من الجنسية السورية.

وسورية ككيان أنشأت نتيجة أتفاقية سايكس بيكو دون مشاورة أهل المنطقة أو أخذ رأيهم بعين الإعتبار، ومع هذه الحالة الطارئة التي وقعت على الكاهل الكوردي عبئآ إضافيا وخلق معها مأساة جديدة ((الكورد لاجئين)) في وطنهم وحرمانهم من الحقوق المدنية في ظل الدولة  الحديثة، وتصاعدت حدة الحرمان والقهر في ظل حكم البعث ومن قبلهم الناصريين العروبيين الذين حكمو سورية بقبضة بوليسية، ومع هذا الضغط الهائل على الكورد عمدت الأنظمة المتعاقبة على السلطة في سورية محاولة خلق الانقسام الداخلي بين القوى والأحزاب الكردية نفسها ونجحت بذلك إلى حد بعيد، لكن ومع تغيير الظروف الدولية وإنهيار المعسكر الشيوعي منذ تسعينيات القرن الماضي حصل تغيرات هائلة في العالم وبشكل أكثر دموية في الشرق الأوسط وخاصتا الدول التي يتواجد فيها الكورد وبرزت معها كوردستان العراق ككيان فيدرالي معترف بها دوليآ وتطورت إلى قوة لا يستهان بها في محاربة التنظيمات الإرهابية وأصبحت أنموذجا ناجحا بقيادة حكيم الأمة الرئيس (( مسعود مصطفى البارزاني)) وفي هذا السياق، يبرز اسم الرئيس البارزاني كمرجعية للكورد في عموم أجزاء كوردستان وبوصفه فاعلًا إقليميًا مؤثرًا ومحاورًا أساسيًا في محاولات رأب الصدع الكردي–الكردي، ولا سيما منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011..

حيث عمدت الأنظمة الغاصبة لكوردستان إلى الإتفاق فيما بينها وخاصة إيران وتركية وسورية على السماح لعناصر حزب العمال الكوردستاني بالمجيء من جبال قنديل والنزول بهم إلى ساحة كورد سورية لخلق شرخ أعمق في المجتمع الكوردي وإبتعادهم عن ساحة نضالهم الأساسية في مقارعة النظام الطائفي الذي حرمهم من أبسط حقوقهم والعمل بالسيطرة على المناطق الكوردية بقوة السلاح وبدعم مباشر من النظام السوري البائد والسيطرة على منابع النفط والمعابر الحدودية، أولا لمساندة النظام والعمل على منع إسقاطه، ثانيآ لقمع الشارع الكوردي وعدم السماح له بالإنضمام إلى الثورة السورية ومحاربة الأحزاب والقوى الكوردية وقتل ناشطيهم وعدم السماح لهم بمزاولة أي نشاط وخاصتا العسكري منه بعيد عن أعينهم وبالتنسيق التام مع النظام البائد وعمدو إلى قتل كل كوردي حاول حمل السلاح أو إنشاء كيان مسلح ولكي لا يكون بديلا لهم وثالثا لزرع الفتنة بين الكورد والعرب وخلق عداوة في هذا الإطار وتصوير المشهد وكأنه حرب عرقية بين العرب والكورد وكل هذا كان بتخطيط تركي مسبق وحسب الاتفاق الذي أدخلوهم بموجبها، وهذا بعيد كل البعد عن الوافع فالحالة الكوردية والعربية متداخلة منذ ألاف السنين….

 والأمثلة كثيرة في هذا السياق مثلا إختطاف الضباط الكورد العفرينيين الثمانية المنشقين عن نظام الأسد في منطقة ديريك وإخفاء أي أثر لهم حيث كانو في طريقهم إلى كوردستان العراق للتنسيق وطلب الدعم وبعدها محاربة لواء الأكراد في عفرين بقيادة النقيب بيوار مصطفى و محاربة كتيبة الشهيد مشعل تمو….، ولكن بعد 2014 قررت الولايات المتحدة الأمريكية بالتدخل العسكري في شرق سورية حيث كان تنظيم داعش يسيطر على مناطق شاسعة بين سورية والعراق وفي هذه الأثناء قررت أمريكة إنشاء حلف لمحاربة داعش. وأخذت قرارأ بالأستيلا على قرار حزب العمال الكوردستاني وعمدت إلى إنشاء قوة بديلة من نفس العناصر  تحت مسمى (( قوات سورية الديمقراطية )) لتشرعنها كعنصر إضافي داخل التحالف  ومهمتها تنحصر فقط في مقاتلة داعش.

ولكن بعد السابع من أكتوبر عام 2025 تغيرت الأوضاع رأسا على عقب حيث أنهار النظام في دمشق خلال أسبوع وتسليم جبهة النصرة سابقآ الحكم في دمشق، وترك حزب العمال الكوردستاني السلاح في تركية واللجوء إلى حضن الدولة التركية (( قانون التوبة )) بعد نداء زعيمهم الروحي عبدالله أوجالان تحت حجة التصالح مع الدولة(( تركية خالية من الإرهاب )).

وفقدو الأهمية ذاتها بعد صعود نظام السوري الجديد بقيادة أحمد الشرع ((محمد الجولاني )) سابقا والتحالف مع أمريكة لمحاربة داعش وبعدها توقيع أتفاقات سلام أوأمن مع إسرائيل وهنا أيضا لتركية الدور الابرز في ذلك مقابل أن تسمح لها أمريكة بلعب دور في مستقبل سورية  وبالأخص القضية الكوردية في سورية وكيفية شكل الدولة وإدارة سورية في المستقبل! 

وهنا يبرز دور هولير وبالأخص الرئيس مسعود البارزاني من جديد كلاعب أساسي في حل قضايا الكورد في المنطقة، حيث يتمتع بحس كوردي قومي خالص وله شبكة علاقات إقليمية وعربية ودولية واسعة يستطيع من خلالها ان يلعب أدوارأ مهمة في الحالة الكوردية السورية. وله سوابق في ذلك حيث عمل منذ إندلاع الثورة الشعبية في سورية إلى تقريب وجهات النظر الكوردية ودعم كورد سورية بقوة في المحافل الدولية لعب دور الراعي والأب الحاضن بين الأحزاب والقوى الكوردية نفسها، ولجوء أكثر من نصف مليون كوردي سوري إلى كوردستان الفيدرالي وعمل على التقرب بين القوى والأحزاب الكوردية  والأمثلة كثيرة وواضحة مثل أتفاق هولير 2012 ودهوك 1 ودهوك 2  ب 2014 ودعمه لمؤتمر ال 26 من نيسان 2025 لوحدة الصف والموقف الكوردي في سورية، إلا أن حزب الإتحاد الديمقراطي الذي يدعو بمشروعه الطوباوي (( مشروع الأمة الديمقراطية )) والذي يستمد نظريته من فلسفة أوجلان (( الأمة الديمقراطية )) عمد إلى إفشال أي عمل وحدوي بين أطراف الحركة الكوردية وفي كل مرة لجأ إلى محاربتها والتنكيس بالإتفاقات بشتى الوسائل وإستيلائهم على القرار الكوردي بقوة السلاح  منذ مجيئهم إلى الساحة السوري.

وهنا يبرز أسم الرئيس مسعود البارزاني دائما بنهجه القومي ويعتبر حامل لواء  مشروع القضية القومية للكورد ويعمل على تقارب أحزاب الأنكسة من قيادة كوردستان العراق الفيدرالي بنهجهم وأسلوب نضالهم يساهم في ذلك الإنجاه ويستطيع ان يلعب دورا بارزا من جديد لتقريب وجهات النظر والعمل على مشروع كوردي واحد وجامع ما بين المجلس الوطني وحزب الإتحاد الديمقراطي وجناحه المسلح قسد.

وخاصة بعد أحداث حلب والتي كانت نتيجة سياسات حزب الإتحاد الديمقراطي وقسد (( الفاشلة )) والمشكوك بأمرها وهجوم بعض الفصائل المنضوية ضمن الجيش السوري المدعومين من تركية وخاصة العمشات والحمزات وبعض بقايا من عناصر داعش الذين يحقدون على الشعب الكوردي ولجوئهم لأساليب عنصرية حاقدة وقتلهم للكورد في حيي الشيخ مقصود والأشرفية ذو الأغلبية الكوردية وخاصة الأطفال والنساء والتنكيل بالجثث، وخروج قسد من حلب أدى إلى تغيرت دراماتيكية للكورد الموجودين في تلك المناطق وتغيرالمعادلات إقليميآ و دوليآ كثيرا!

فهل سينجح جهود الرئيس بارزاني الرامي إلى حماية حقوق الكورد دستوريا في سورية وتقريب وجهات النظر بين الأطراف الكوردية والعمل على إعلان مشروع موحد بين هذين الكتلتين من جديد لإنتهاز الفرصة وإستغلال الظرف والدعم الدوليين للقضية الكورد في سورية!

Swissra

11.01.2026

* ناشط سياسي 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…