رسالة الرئيس مسعود بارزاني إلى دمشق.. السياسة تُنقذ ما فشلت فيه البنادق

خوشناف سليمان

في خضمّ التصعيد العسكري والتوتر المتجدّد في سوريا. جاءت رسالة الرئيس مسعود بارزاني لتضع النقاط على الجرح. لا على الحروف فقط. فهي رسالة هادئة في لغتها. لكنها حادة في مضمونها السياسي. لأنها تصطدم مباشرة بجوهر الأزمة السورية.. الإصرار على إدارة بلد متعدد القوميات والمذاهب بعقلية أمنية مركزية أثبتت فشلها منذ عقود.
حين يدعو بارزاني إلى وقف القتال بين قوات الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية. فهو لا يقدّم نصيحة أخلاقية. بل يوجّه اتهاماً سياسياً غير معلن.. استمرار العنف يعني أن السلطة ما تزال عاجزة عن إنتاج حل وطني. وأنها تفضّل منطق الإخضاع على منطق الشراكة.
الدولة التي تخاف من الحوار. وتلجأ إلى السلاح. لا تدافع عن السيادة. بل تهرب من استحقاق الاعتراف بالآخر.
أما الترحيب بما سُمّي / مرسوماً / بشأن حقوق الكرد فلا يمكن قراءته إلا بوصفه ترحيباً مشروطاً وحذراً. فالتجربة السورية علّمت السوريين. والكرد خصوصاً. أن المشكلة لم تكن يوماً في النصوص. بل في النوايا والتنفيذ.
الحقوق لا تُمنح بقرارات فوقية قابلة للتجميد أو السحب. بل تُحمى بدستور جديد. وبنظام سياسي يعترف بأن سوريا ليست ملكاً لقومية واحدة. ولا تُدار بعقلية / الأغلبية الصامتة /.
الأخطر من ذلك أن السلطة المركزية ما تزال تتعامل مع أي حديث عن اللامركزية أو الفيدرالية بوصفه مشروع تقسيم. متجاهلة حقيقة أن سوريا اليوم مقسّمة عملياً بفعل الحرب. والسلاح. والتدخلات الخارجية. إن رفض النقاش لا يحمي وحدة البلاد. بل يسرّع تفككها.
العناد السياسي. حين يترافق مع الحلول الأمنية. لا ينتج دولة قوية. بل يدفع البلاد نحو سيناريوهات أكثر خطورة. قد تنتهي بتقسيم قانوني تحت عناوين / الحل / و/ الاستقرار /.
رسالة الرئيس مسعود بارزاني تقول لدمشق. بشفافية.
لا يمكن بناء دولة حديثة بلا شراكة حقيقية.
ولا يمكن ضمان حقوق الكرد أو أي مكوّن آخر بلا عقد وطني جديد.
ولا يمكن إنقاذ سوريا بعقلية ما قبل 2011. لأن تلك سوريا لم تعد موجودة.
الدعوة إلى الحوار الوطني. وإلى دستور جديد. وإلى نظام سياسي يعترف بالجميع شركاء متساوين. ليست ترفاً ولا مؤامرة. بل الفرصة الأخيرة لمنع الانهيار الكامل. وكل تأخير في التقاط هذه الفرصة سيُكتب. عاجلاً أم آجلاً. كمسؤولية تاريخية على من رفضها.
الكرة اليوم في ملعب دمشق..
إما الانتقال من دولة الأمن إلى دولة القانون.
أو الإصرار على طريقٍ لم يحصد سوى الدم، والخراب. وتمزيق المجتمع.
كلمة أخيرة:
أنا أرى في رسالة السيد مسعود بارزاني محاولة جدّية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لكنها ستبقى بلا قيمة إذا وُوجهت بالعقلية ذاتها التي أوصلت سوريا إلى هذا الدمار. التاريخ لا يرحم من أضاع الفرص. ولا من اعتقد أن القوة وحدها تصنع الأوطان.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…