شادي حاجي
شكّل كونفرانس وحدة الصف والموقف الكردي الذي عُقد في قامشلو في نيسان/أبريل 2025 نقطة تحوّل في المشهد الكردي السوري، إذ أعاد الاعتبار لفكرة القرار السياسي الجماعي بعد سنوات من الانقسام، وطرح مجدداً السؤال الجوهري : من يقود المشروع الكردي، السياسة أم العسكر ؟
لقد أفرز المؤتمر وفداً كردياً سياسياً مشتركاً يضم مختلف القوى الكردية الأساسية، وكُلّف بإدارة ملف القضية الكردية والتفاوض مع دمشق على أساس رؤية سياسية مشتركة واضحة لسوريا لا مركزية تضمن الحقوق القومية والدستورية للكرد. غير أن القصور الأساسي تمثّل في عدم تثبيت هذا الوفد بوصفه المرجعية السياسية العليا والملزمة أو تشكيل مرجعية سياسية على أن يترك أمر التفاوض من مهام الوفد ، ما فتح الباب مجدداً لتداخل الأدوار بين السياسي والعسكري.
إن أي مسار وطني لا يمكن أن ينجح ما لم تخضع البُنى العسكرية لإرادة القرار السياسي. فالتجارب التاريخية أثبتت أن تحويل القوة العسكرية إلى مرجعية قرار يقود حتماً إلى إضعاف المشروع السياسي الكردي ، مهما كانت التضحيات أو النوايا.
ومن هذا المنطلق، يثير اتفاق 10 آذار (مارس) 2025 الذي وقّعه الجنرال مظلوم عبدي منفردًا مع رئيس المرحلة الانتقالية في دمشق أحمد الشرع إشكالية سياسية عميقة وللعلم الإتفاقية جرت قبل انعقاد كونفرانس وحدة الصف والموقف الكردي في نيسان / أبريل ٢٠٢٦ . فعلى الرغم من أن الاتفاق، من حيث المضمون، يُعد خطوة مهمة تقضي بدمج قوات سوريا الديمقراطية ومؤسساتها المدنية ضمن هياكل الدولة السورية، والاعتراف بالمجتمع الكردي كجزء أصيل من سوريا، إلا أن إبرامه قبل تشكيل الوفد السياسي المشترك قوضت الى حد ما مبدأ الشراكة السياسية، وأضعفت وحدة القرار الكردي لذلك المطلوب أن تحظى المفاوضات التي تقوم بها قسد والجنرال مظلوم عبدي بموافقة الوفد السياسي الكردي المشترك أو المرجعية السياسية التي قد تتشكل لاحقاً .
المشكلة هنا ليست في مبدأ التفاوض مع دمشق، بل في شرعية من يفاوض. فحين يوجد وفد سياسي مُفوَّض بتوافق كردي عام، فإن تجاوز هذا الإطار يشكّل التفافاً على الإرادة السياسية الجماعية، ويعيد إنتاج الأزمة ذاتها التي سعى مؤتمر وحدة الصف إلى تجاوزها.
إن المطلوب اليوم موقف واضح وحازم: قسد قوة لحماية المشروع السياسي الكردي، لا لقيادته. وقيادتها العسكرية، مهما كانت مكانتها، مطالَبة بالخضوع لمرجعية سياسية كردية موحّدة تعبّر عن إرادة الشعب، لا عن اجتهادات فردية أو حسابات آنية.
فمن دون ترسيخ أولوية السياسة على العسكر والسلاح ، لن يكون لأي اتفاق استقرار حقيقي، ولن يتحوّل أي إنجاز إلى مكسب دائم. إن شرعية المشروع الكردي تُبنى بالسياسة والمؤسسات والتوافق، لا بفرض الأمر الواقع.
وإلى مستقبل أفضل